الدولار يسجل أكبر هبوط سنوي منذ 8 سنوات: الأسباب والتوقعات

سجل الدولار الأمريكي أكبر وتيرة تراجع سنوي له منذ 8 أعوام خلال العام الماضي 2025، منهياً عاماً من التقلبات الاقتصادية الحادة بنسبة انخفاض بلغت نحو 8% وفقاً لمؤشر بلومبيرغ للدولار. ويأتي هذا الهبوط الكبير في وقت تتزايد فيه قناعة المستثمرين بأن العملة الخضراء ستواصل مسارها الهبوطي خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بتغيرات جوهرية في السياسة النقدية الأمريكية والتوجهات السياسية لاختيار قيادة جديدة للبنك المركزي.
تأثير السياسة النقدية ومستقبل الفائدة
يرتبط هذا التراجع بشكل وثيق بتوقعات الأسواق المالية التي تسعر حالياً خفضاً كبيراً في أسعار الفائدة الأمريكية. ومع اقتراب انتهاء ولاية جيروم باول، يترقب العالم اختيار رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يميل إلى تيسير السياسة النقدية وخفض الفائدة بشكل أعمق مما كان متوقعاً في السابق. ومن المعروف اقتصادياً أن خفض أسعار الفائدة يقلل من جاذبية العملة للمستثمرين الباحثين عن العوائد المرتفعة، مما يدفع رؤوس الأموال للهجرة نحو عملات أخرى أو أصول استثمارية بديلة مثل الذهب.
السياق التاريخي وتأثير الرسوم الجمركية
لم يكن هذا الهبوط وليد اللحظة، بل جاء امتداداً لموجة تراجع بدأت عقب تنفيذ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للرسوم الجمركية في شهر أبريل لعام 2024، وهو التاريخ الذي بات يُعرف في الأوساط الاقتصادية بـ «يوم التحرير». تاريخياً، غالباً ما تؤدي الحروب التجارية والرسوم الجمركية المرتفعة إلى تقلبات عنيفة في أسعار الصرف، حيث تضغط على النمو الاقتصادي وتدفع البنوك المركزية لاتخاذ إجراءات تحفيزية قد تضعف العملة.
نظرة المحللين والأسواق العالمية
وفي هذا السياق، صرح يوسكي ميايري، محلل أسواق الصرف لدى «نومورا»، قائلاً: «العامل الأكبر المؤثر في الدولار خلال الربع الأول سيكون الفيدرالي، والأمر لا يتعلق فقط باجتماعي يناير ومارس، بل بمن سيخلف جيروم باول بعد انتهاء ولايته»، وذلك بحسب ما نقلته وكالة «بلومبيرغ» نيوز. ويشير هذا التصريح إلى أن الضبابية حول القيادة النقدية القادمة تلعب دوراً رئيسياً في عزوف المستثمرين عن الدولار.
بيانات الأسواق وتوقعات المستقبل
وتعزز البيانات الرسمية هذه النظرة التشاؤمية للعملة الأمريكية؛ فبحسب بيانات لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية المنشورة يوم الأربعاء الماضي، زاد المتداولون من رهاناتهم على هبوط الدولار خلال الأسبوع المنتهي في 23 ديسمبر. كما أشارت أسواق عقود الخيارات إلى احتمال قوي لاستمرار ضعف الدولار خلال شهر يناير، مع توقعات بتباين مسار السياسة النقدية للفيدرالي مقارنة بنظرائه في الاقتصادات المتقدمة، مما يضيق الفجوة في أسعار الفائدة ويحد من هيمنة الدولار.
التأثير الاقتصادي المتوقع
من المتوقع أن يكون لهذا الهبوط المستمر تداعيات واسعة النطاق؛ فعلى الصعيد المحلي الأمريكي، قد يساعد ضعف الدولار في تعزيز الصادرات الأمريكية بجعلها أرخص للمشترين الأجانب، ولكنه في المقابل قد يرفع تكلفة الواردات ويزيد من الضغوط التضخمية. أما عالمياً، فإن تراجع الدولار عادة ما يكون خبراً جيداً للاقتصادات الناشئة التي تقترض بالدولار، حيث تنخفض تكلفة خدمة ديونها، كما يؤدي غالباً إلى ارتفاع أسعار السلع المقومة بالدولار مثل النفط والذهب.



