اقتصاد

ارتفاع أسعار الغاز في أمريكا يلغي شحنات التصدير ويهدد أوروبا

كشفت تقارير حديثة صادرة عن وكالة "إس آند بي غلوبال" عن تحولات دراماتيكية في سوق الطاقة الأمريكي، حيث أدى الارتفاع القياسي والمفاجئ في أسعار الغاز الطبيعي داخل الولايات المتحدة إلى تغيير جذري في حركة التجارة، دافعاً عدداً من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال إلى إلغاء شحناتهم المخصصة للتصدير وتوجيهها للبيع في السوق المحلية المتعطشة للطاقة.

وشهدت الأسواق حالة من التقلب الشديد، إذ قفزت الأسعار الفورية للغاز لتكسر حاجز الـ 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 27 يناير الماضي، وهو مستوى سعري استثنائي يعكس حجم الضغط على الشبكة، قبل أن تعاود الأسعار الهبوط بشكل حاد لتستقر عند نحو 9 دولارات في اليوم التالي، مما يبرز حساسية الأسواق للمتغيرات المناخية واللوجستية.

توقف الإنتاج وتجمد الآبار

عزت المصادر هذا الاضطراب السعري إلى موجة برد قاسية ضربت مناطق الإنتاج الرئيسية، مما تسبب في ظاهرة "تجمد الآبار"، حيث تتسبب درجات الحرارة المنخفضة جداً في تجمد السوائل داخل أنابيب استخراج الغاز، مما يؤدي إلى توقف الإنتاج قسرياً. وقد انعكس ذلك مباشرة على عقود الغاز الأمريكية لشهر فبراير في بورصة "نايمكس"، التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً وصل إلى 6.954 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وأكدت البيانات تسجيل انخفاض ملموس في إنتاج الغاز المسال في جميع منشآت التسييل الثمانية الرئيسية في الولايات المتحدة، مما أدى إلى نقص الإمدادات المتدفقة إلى مصانع التسييل في ساحل الخليج، ودفع الشركات لإعادة ترتيب أولوياتها لتلبية الطلب المحلي المتزايد لأغراض التدفئة وتوليد الكهرباء.

تحول استراتيجي: من التصدير إلى الاستيراد

في سابقة نادرة تعكس حدة الأزمة المؤقتة، تحولت الولايات المتحدة -التي تعد أحد أكبر مصدري الغاز في العالم- إلى تعزيز وارداتها. فعلى الساحل الشرقي، قامت منشآت حيوية مثل "إلبا آيلاند" في جورجيا و"كوف بوينت" في ماريلاند بتحويل شحناتها لتصب في الشبكة المحلية بدلاً من تصديرها. وتم ذلك عبر استيراد شحنات جديدة أو إعادة تحويل الغاز المسال المخزن مسبقاً إلى حالته الغازية لضخه في الأنابيب.

وتشير التقديرات إلى احتمالية إلغاء ما يصل إلى 15 شحنة تصديرية كانت مجدولة مسبقاً. وفي المقابل، سجلت شحنات الغاز المسال الواردة إلى الموانئ الأمريكية أعلى مستوى لها منذ 9 سنوات، حيث استقبلت منشأة "إلبا آيلاند" ناقلة الغاز "Paris Knutsen" القادمة من ترينيداد في 28 يناير، لتعويض النقص المحلي.

تداعيات مقلقة على أمن الطاقة الأوروبي

لا تقتصر آثار هذه الاضطرابات على الداخل الأمريكي فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على القارة الأوروبية التي تعتمد بشكل متزايد على الغاز الأمريكي لتعويض الإمدادات الروسية. وتأتي هذه الأنباء في توقيت حرج لأوروبا، حيث أظهرت البيانات انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية إلى مستويات مقلقة بلغت 44% فقط بحلول 26 يناير.

ويعد هذا المستوى هو الأدنى موسمياً منذ عام 2022، مما يثير مخاوف جدية بشأن قدرة القارة العجوز على تجاوز ما تبقى من فصل الشتاء دون أزمات في الإمدادات، خاصة إذا استمرت الولايات المتحدة في تقليص صادراتها لتلبية احتياجاتها الداخلية، مما قد يشعل منافسة عالمية حامية على شحنات الغاز المتاحة ويرفع الأسعار عالمياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى