
إقالة وزير البحرية الأمريكي: قصة الخلاف مع ترامب والبنتاجون
في خطوة مفاجئة عكست حجم التوترات بين الإدارة الأمريكية والمؤسسة العسكرية، أعلن البنتاجون مغادرة وزير البحرية الأمريكي لمنصبه، في حدث لم يكن مجرد تغيير إداري روتيني، بل كان تتويجًا لخلاف عميق حول مبادئ العدالة العسكرية والتدخل السياسي في شؤون القوات المسلحة.
الوزير الذي تمت إقالته هو ريتشارد سبنسر، وقد جاءت مغادرته في نوفمبر 2019 بناءً على طلب من وزير الدفاع آنذاك، مارك إسبر، الذي صرح بأنه فقد “الثقة والمصداقية” في سبنسر. لم تكن هذه الإقالة وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة مباشرة للجدل الذي أحاط بقضية إدوارد “إدي” غالاغر، وهو قائد فصيلة في قوات النخبة بالبحرية (Navy SEALs) واجه اتهامات بارتكاب جرائم حرب في العراق.
السياق العام: قضية إدي غالاغر
شكلت قضية غالاغر نقطة اشتعال رئيسية. اتُهم الضابط بقتل أسير من تنظيم داعش طعنًا، وإطلاق النار عشوائيًا على مدنيين، والتقاط صور مع جثة القتيل. ورغم تبرئته من تهمة القتل، أُدين بتهمة أقل وهي التصوير مع جثة، مما أدى إلى تخفيض رتبته. لكن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، تدخل بشكل مباشر وعلني في القضية، حيث أصدر عفوًا رئاسيًا أعاد لغالاغر رتبته العسكرية، معبرًا عن دعمه الكامل له.
هذا التدخل الرئاسي أثار حفيظة كبار القادة في البنتاجون، الذين رأوا فيه تقويضًا لنظام العدالة العسكرية المستقل، والذي يُعتبر حجر الزاوية في الحفاظ على الانضباط والمعايير الأخلاقية داخل الجيش. سعى قادة البحرية، بمن فيهم الوزير سبنسر، إلى إجراء مراجعة داخلية لتحديد ما إذا كان غالاغر لا يزال مؤهلاً للاحتفاظ بشارة “ترايدنت” التي ترمز لانتمائه لقوات النخبة، وهي خطوة كانت قد تؤدي إلى طرده من السلك.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
جاءت إقالة سبنسر بعد الكشف عن أنه حاول التفاوض سرًا مع البيت الأبيض، مقترحًا صفقة تضمن تقاعد غالاغر مع احتفاظه بشارته، مقابل عدم تدخل الرئيس ترامب في الإجراءات التأديبية. هذا المسار السري، الذي لم يُطلع عليه وزير الدفاع مارك إسبر، اعتُبر خرقًا لتسلسل القيادة ومحاولة للالتفاف على القنوات الرسمية، مما أدى إلى قرار إقالته الفوري.
على الصعيدين المحلي والدولي، أثارت هذه الحادثة نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين السلطة المدنية (الرئيس) والمؤسسة العسكرية. فبينما يؤكد الدستور الأمريكي على أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، يرى منتقدون أن استخدام هذه السلطة للتدخل في قضايا تأديبية فردية يهدد بتسييس الجيش ويضعف سلطة القادة الميدانيين. كما أظهرت الإقالة مدى استعداد إدارة ترامب لتحدي التقاليد والأعراف المستقرة في البنتاجون، مما أدى إلى سلسلة من الاستقالات والإقالات لكبار المسؤولين العسكريين والمدنيين خلال فترة رئاسته، الأمر الذي أثار قلق الحلفاء والمراقبين الدوليين بشأن استقرار عملية صنع القرار في أقوى جيش في العالم.



