ديون فنزويلا تتجاوز 200% من الاقتصاد: هل حانت ساعة الحساب؟

تواجه فنزويلا، التي كانت يوماً أغنى دولة في أمريكا الجنوبية، منعطفاً تاريخياً خطيراً قد يعصف بما تبقى من استقرارها الاقتصادي والسياسي. فقد كشفت شبكة CNBC في تقرير حديث أن الالتزامات المالية الخارجية للدولة تتراوح بين 150 و170 مليار دولار، وهو رقم فلكي مقارنة بحجم الاقتصاد الحالي.
وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا لعام 2025 لن يتجاوز 82 مليار دولار، مما يعني أن حجم الدين يمثل نحو 200% من إجمالي ناتج البلاد. هذه الفجوة الهائلة تجعل أي خطة سداد تقليدية شبه مستحيلة، وتضع كاراكاس أمام "ساعة الحساب الكبرى".
جذور الأزمة: من الثراء النفطي إلى الانهيار
لفهم عمق هذه الأزمة، يجب النظر إلى السياق التاريخي؛ حيث تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. ومع ذلك، عانى الاقتصاد الفنزويلي لسنوات من سوء الإدارة، وتراجع الاستثمارات في البنية التحتية النفطية، والاعتماد الكلي على إيرادات الخام. وقد أدى انخفاض أسعار النفط سابقاً، تزامناً مع العقوبات الدولية، إلى تآكل العملة المحلية وتضخم جامح دمر القوة الشرائية للمواطنين.
النفط كسلاح: الضغط الأمريكي وسيناريوهات السداد
في تطور لافت للأحداث، ومع استيلاء واشنطن على صادرات النفط الفنزويلي واحتجاز الموارد الاستراتيجية، تحول "الذهب الأسود" من شريان حياة للدولة إلى أداة ضغط مباشرة بيد الولايات المتحدة. هذا التحرك يهدف لضمان سداد الديون أو إعادة هيكلة الاقتصاد وفق شروط أمريكية صارمة، خاصة في ظل الأنباء عن اعتقال مادورو، مما يضع النظام السياسي في مهب الريح.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يعزز قدرة الدائنين الأمريكيين والصناديق الاستثمارية الانتهازية على فرض شروطهم القاسية، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم النزاع السياسي والاقتصادي داخلياً وخارجياً.
الحلول المقترحة: هل تنجح عملية "قص الشعر" للديون؟
في محاولة لإيجاد مخرج من هذا النفق المظلم، طرح محللو بنك سيتي غروب (Citigroup) رؤية تقنية للحل، مشيرين إلى أن الخيار الوحيد لإبقاء فنزويلا واقفة على قدميها هو شطب نحو 50% من قيمة الديون الحالية. تتضمن الخطة إصدار سندات جديدة لأجل 20 عاماً بفائدة 4.4% لتعويض المستثمرين، وهي عملية تعرف مالياً بـ "قص الشعر" (Haircut).
التعقيدات الجيوسياسية: الدور الروسي والصيني
رغم وجاهة الحل الاقتصادي نظرياً، إلا أن تنفيذه يصطدم بجدار السياسة الدولية. فأي اتفاق لإعادة هيكلة الديون يتطلب موافقة كبار الدائنين الدوليين، وتحديداً الصين وروسيا، اللتين قدمتا قروضاً بمليارات الدولارات لفنزويلا مقابل شحنات النفط.
أصبح التوصل إلى توافق أكثر تعقيداً بعد السيطرة الأمريكية على النفط، حيث تنظر بكين وموسكو إلى التحركات الأمريكية بعين الريبة، مما يحول أزمة ديون فنزويلا من قضية مالية بحتة إلى ساحة صراع نفوذ بين القوى العظمى.
قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الإقليمي
لم تعد ديون فنزويلا مجرد أرقام في دفاتر المحاسبة، بل تحولت إلى قنبلة موقوتة. فاستمرار الأزمة يهدد بانهيار كامل للنظام المالي المحلي، وهروب ما تبقى من استثمارات أجنبية، وتصدير عدم الاستقرار إلى دول الجوار في أمريكا اللاتينية. ومع ربط الحل الاقتصادي بالتحولات السياسية العالمية ومصير القيادة الحالية، تبقى فنزويلا رهينة لتجاذبات لا تملك فيها قرارها المستقل.



