محليات

خارطة طريق لتحويل المزارع الوقفية بالمدينة لوجهات استثمارية

في خطوة نوعية تهدف إلى تعزيز كفاءة القطاع غير الربحي، أطلقت اللجنة العلمية لحلقة نقاش «المزارع الوقفية» التي عقدت في المدينة المنورة، خارطة طريق شاملة تتضمن حزمة من التوصيات الاستراتيجية. تستهدف هذه الخارطة إعادة هيكلة الوقف الزراعي من الناحيتين التشريعية والاستثمارية، بما يضمن تعظيم أثره التنموي واستدامته للأجيال القادمة.

السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية

تكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة نظراً للمكانة التاريخية للمدينة المنورة، التي تُعد مهد الوقف الإسلامي ومنطلقاً لأعرق الأوقاف الزراعية عبر التاريخ، بدءاً من آبار الصحابة ومزارعهم التي أوقفت لخدمة المسلمين. وتأتي هذه التحركات اليوم لإحياء هذا الإرث العظيم ولكن بآليات عصرية تتجاوز المفهوم التقليدي للرعاية، لتنتقل به إلى آفاق الاستثمار المؤسسي المستدام. ويعد تفعيل الأصول الوقفية الزراعية ضرورة ملحة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، حيث تمثل هذه الأصول ثروة كامنة يمكن أن تشكل رافداً قوياً للاقتصاد الوطني إذا ما أديرت وفق معايير احترافية.

حوكمة صارمة ونقلة تشريعية

وضعت اللجنة في صدارة أولوياتها ضرورة إحداث نقلة نوعية في الأطر التشريعية والتنظيمية الناظمة لعمل المزارع الوقفية لتواكب المتغيرات الاقتصادية الحديثة. وشددت التوصيات على حتمية تبني نماذج حوكمة مالية وإدارية صارمة تضمن أعلى معايير الكفاءة والشفافية في إدارة هذه الأصول الحيوية. وطالب الخبراء المشاركون بضرورة الخروج من عباءة الاستثمار التقليدي إلى تنويع المصادر، وتعزيز الشراكات الذكية بين القطاع الوقفي والقطاعين العام والخاص، لضمان استمرارية العطاء وتنمية الأصول.

الأثر الاقتصادي والأمن الغذائي

تنسجم هذه التوصيات بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، الرامية إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5%. كما أن تطوير المزارع الوقفية يلعب دوراً محورياً في تحقيق استراتيجية الأمن الغذائي للمملكة، من خلال تحويل المساحات الوقفية المهملة أو التقليدية إلى مشاريع زراعية منتجة تساهم في سد الفجوة الغذائية وتوفير منتجات محلية ذات جودة عالية. ودعت اللجنة في هذا الصدد إلى توظيف مخرجات البحث العلمي والتقنيات الزراعية الذكية لرفع الإنتاجية، معتبرة أن الابتكار هو الرهان الرابح لاستدامة الوقف الزراعي.

مشاريع نوعية وسياحة زراعية

وفي خطوة لتوحيد الجهود، اقترحت التوصيات إنشاء «منصة وطنية» جامعة، تكون بمثابة جسر يربط الواقفين والنظار بمراكز الأبحاث والقطاعات الاستثمارية لإطلاق مشاريع مشتركة. كما وجهت اللجنة بضرورة صياغة أدلة وطنية متخصصة لإدارة «المزارع الوقفية السياحية»، تتضمن آليات تسويقية مبتكرة ومؤشرات دقيقة لقياس الأثر التنموي لهذا النمط الجديد، مما يفتح الباب أمام تحويل هذه المزارع إلى وجهات سياحية تثقيفية وترفيهية تدر عوائد إضافية للوقف.

جاءت هذه المخرجات في ختام حلقة النقاش التي نظمتها الجامعة الإسلامية في مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات بالمدينة المنورة، بالشراكة الاستراتيجية مع وقف محمد إبراهيم السبيعي، وشهدت حضوراً نوعياً لنخبة من أصحاب المعالي وصناع القرار. ويكتسب هذا الحراك مصداقية عالية، لا سيما بعد تتويج أوقاف الجامعة الإسلامية مؤخراً بجائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز للتميز، نظير مبادرتها الرائدة في المزارع الوقفية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى