إجماع جنوبي نحو مؤتمر الرياض: دلالات توحيد الصف اليمني

تشهد الساحة السياسية اليمنية حراكاً دبلوماسياً وسياسياً مكثفاً، يتوج بظهور بوادر إجماع واسع بين المكونات السياسية الجنوبية للمشاركة الفاعلة في مشاورات الرياض. ويأتي هذا التوافق كخطوة مفصلية في مسار الأزمة اليمنية، حيث تتجه الأنظار صوب العاصمة السعودية التي تقود جهوداً حثيثة لرأب الصدع وتوحيد الصفوف في مواجهة التحديات الراهنة التي تعصف باليمن منذ سنوات.
السياق العام والخلفية التاريخية
لا يمكن قراءة هذا الإجماع الجنوبي بمعزل عن التعقيدات التاريخية التي مرت بها القضية الجنوبية. فمنذ الوحدة اليمنية عام 1990، وما تلاها من حرب صيف 1994، تشكلت تراكمات سياسية واجتماعية أدت إلى ظهور الحراك الجنوبي السلمي في عام 2007، وصولاً إلى تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي ومكونات أخرى فاعلة على الأرض. لقد ظلت تباينات الرؤى بين هذه المكونات، وبينها وبين الحكومة الشرعية، عائقاً أمام تشكيل جبهة موحدة صلبة. ويأتي «مؤتمر الرياض» أو المشاورات التي ترعاها دول مجلس التعاون الخليجي، كمحاولة جادة لاستكمال تنفيذ اتفاق الرياض الموقع في نوفمبر 2019، والذي نص على الشراكة السياسية والعسكرية والأمنية، بهدف إنهاء التوتر في المحافظات المحررة.
أهمية الدور السعودي والخليجي
يكتسب هذا التوافق أهميته من الثقل السياسي الذي تمثله المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي كراعٍ رئيسي للعملية السياسية في اليمن. إن دعوة الرياض لكافة الأطراف اليمنية للجلوس على طاولة الحوار تعكس رغبة إقليمية ودولية في طي صفحة الخلافات البينية داخل معسكر الشرعية. ويُعد استجابة المكونات الجنوبية لهذا النداء مؤشراً على نضج سياسي وإدراك لخطورة المرحلة، حيث تتطلب الظروف الراهنة تجاوز الخلافات الفرعية للتركيز على استعادة الدولة ومؤسساتها.
التأثيرات المتوقعة محلياً وإقليمياً
من المتوقع أن يسفر هذا الإجماع والمشاركة في مؤتمر الرياض عن نتائج ملموسة على عدة أصعدة:
- على الصعيد السياسي والعسكري: سيؤدي توحيد الرؤى الجنوبية وتنسيقها مع الحكومة الشرعية إلى تعزيز الموقف التفاوضي للشرعية أمام المجتمع الدولي، كما سيسهم في توجيه البوصلة العسكرية بشكل أكثر فاعلية نحو مواجهة الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران.
- على الصعيد الاقتصادي والخدمي: يعاني المواطن اليمني، وخاصة في المحافظات الجنوبية، من تدهور حاد في الخدمات وانهيار العملة. إن الاستقرار السياسي الذي قد ينتج عن هذا المؤتمر هو الشرط الأساسي لعودة الحكومة للعمل بفاعلية من العاصمة المؤقتة عدن، مما يفتح الباب أمام حزم دعم اقتصادي خليجية ودولية لإنقاذ الاقتصاد المتهاوي.
- على الصعيد الدولي: يرسل هذا التوافق رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الأطراف المناهضة للحوثيين قادرة على العمل المشترك، مما يسهل جهود المبعوث الأممي في صياغة خارطة طريق شاملة للسلام الدائم.
ختاماً، يمثل الإجماع الجنوبي نحو مؤتمر الرياض فرصة تاريخية قد لا تتكرر لإعادة ترتيب البيت الداخلي اليمني، وتأسيس مرحلة جديدة قوامها الشراكة والتوافق لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.



