اتفاق مسقط لتبادل الأسرى: اختبار جديد لمصداقية الحوثيين

يمثل اتفاق مسقط الأخير بشأن ملف تبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي، منعطفاً حاسماً في مسار الأزمة اليمنية، حيث ينظر المراقبون والمحللون السياسيون إلى هذا الاتفاق باعتباره اختباراً حقيقياً وجديداً لمدى جدية ومصداقية الحوثيين في التعاطي مع استحقاقات السلام وإنهاء المعاناة الإنسانية.
سياق الصراع والخلفية التاريخية
لا يمكن قراءة اتفاق مسقط بمعزل عن السياق التاريخي للصراع الدامي الذي يعصف باليمن منذ انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر عام 2014، وما تلاه من تدخل للتحالف العربي في مارس 2015. طوال السنوات الماضية، ظل ملف الأسرى والمختطفين أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، كونه يمس حياة آلاف العائلات اليمنية بشكل مباشر. وقد شهدت جولات التفاوض السابقة، بدءاً من مشاورات الكويت وصولاً إلى اتفاق ستوكهولم عام 2018، تعثرات عديدة في تنفيذ بنود تبادل الأسرى (الكل مقابل الكل)، حيث غالباً ما كانت تتبادل الأطراف الاتهامات حول عرقلة التنفيذ.
أهمية اتفاق مسقط ودور الوساطة
تكتسب جولة المفاوضات في العاصمة العمانية مسقط أهمية خاصة نظراً للدور المحوري الذي تلعبه سلطنة عمان كوسيط إقليمي مقبول من كافة الأطراف، بالإضافة إلى الرعاية المباشرة من مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، هانز غروندبرغ. ويأتي هذا الاتفاق في وقت تشهد فيه المنطقة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يهدف إلى تحويل الهدنة الهشة القائمة بحكم الأمر الواقع إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية سياسية شاملة.
اختبار المصداقية وتحديات التنفيذ
يرى المتابعون للشأن اليمني أن نجاح تنفيذ هذا الاتفاق سيعتمد بشكل كلي على الإرادة السياسية، وتحديداً من جانب الحوثيين، في الكشف عن مصير المخفيين قسراً والسياسيين البارزون المشمولين بقرارات مجلس الأمن الدولي. إن الوفاء بالالتزامات في هذا الملف الإنساني البحت سيشكل مؤشراً قوياً على إمكانية بناء الثقة في الملفات الأخرى الأكثر تعقيداً، مثل الملف الاقتصادي وتوحيد العملة وفتح الطرقات المغلقة في تعز وغيرها من المحافظات.
التأثير المتوقع محلياً وإقليمياً
على الصعيد المحلي، فإن إتمام صفقة التبادل سيعني إنهاء معاناة مئات الأسر التي انتظرت ذويها لسنوات، مما سيخلق انفراجة شعبية قد تدعم جهود السلام. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح “اتفاق مسقط” سيعزز من فرص نجاح خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، مما قد يجنب المنطقة المزيد من التوترات، خاصة في ظل التحديات الأمنية في البحر الأحمر. وفي المقابل، فإن أي نكث للعهود أو التفاف على بنود الاتفاق سيعيد الأمور إلى المربع الأول، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في اليمن.



