زيلينسكي يكشف شرط واشنطن وموسكو للانسحاب من دونباس

في تصريحات لافتة تعكس تعقيدات المشهد السياسي والعسكري للأزمة الأوكرانية، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يوم الجمعة، عن وجود توافق نادر بين الولايات المتحدة وروسيا حول شرط محدد لإنهاء الحرب الدائرة. وأوضح زيلينسكي أن القوتين العظميين تطلبان من كييف سحب قواتها بشكل كامل من المنطقة الشرقية في دونباس كشرط أساسي لوقف العمليات العسكرية، وهو ما يضع القيادة الأوكرانية أمام خيارات استراتيجية صعبة.
شرط “الأرض مقابل السلام”
نقل الرئيس الأوكراني رسالة مباشرة تلقاها من الجانبين الأمريكي والروسي، حيث قال: “يقول الأمريكيون والروس إنه إذا أردتم أن تنتهي الحرب غداً، أخرجوا من دونباس”. هذا التصريح يشير إلى ضغوط متزايدة تمارس على كييف للقبول بتنازلات جغرافية مؤلمة مقابل وقف نزيف الحرب. ويرى زيلينسكي أن واشنطن تمارس ضغوطاً أكبر على أوكرانيا مقارنة بروسيا، مبرراً ذلك بأن بلاده في “وضع أكثر صعوبة” ميدانيًا واقتصاديًا، مما يجعلها الحلقة الأضعف في معادلة التفاوض الحالية.
الأهمية الاستراتيجية لإقليم دونباس
لفهم عمق هذه المطالب، يجب النظر إلى الأهمية الاستراتيجية لإقليم دونباس، الذي يضم منطقتي لوغانسك ودونيتسك. يُعتبر هذا الإقليم “الحوض المنجمي” والقلب الصناعي لأوكرانيا، حيث يتركز فيه جزء كبير من الثروات المعدنية والصناعات الثقيلة. تاريخياً، بدأت الأزمة في هذه المنطقة منذ عام 2014، وتحولت إلى ساحة صراع مستمر حتى قبل الغزو الروسي الشامل في 2022. السيطرة الكاملة على دونباس لا تعني فقط مكسباً عسكرياً لموسكو، بل تمثل ضربة قاصمة للاقتصاد الأوكراني وسلخاً لجزء حيوي من الهوية الوطنية والجغرافية للبلاد.
الواقع الميداني وتعثر المفاوضات
ميدانياً، تسيطر القوات الروسية حالياً على أجزاء واسعة من الإقليم، حيث تخضع منطقة لوغانسك لسيطرة شبه كاملة لموسكو، بينما لا يزال الجيش الأوكراني يسيطر على ما يقارب 20% من منطقة دونيتسك. وتعتبر هذه النسبة المتبقية هي العقبة الرئيسية أمام إعلان روسيا السيطرة الكاملة على الإقليم.
وفي سياق المسار الدبلوماسي، لا تزال المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين كييف وموسكو متعثرة. وتشكل مسألة مصير دونباس العقدة الأكبر في أي محادثات سلام؛ فبينما تصر روسيا على الاعتراف بالواقع الميداني الجديد وضم المناطق الشرقية، ترفض كييف بشكل قاطع التخلي عن سيادتها على هذه الأراضي، معتبرة أن أي انسحاب هو استسلام غير مقبول يهدد وجود الدولة الأوكرانية مستقبلاً.
تأتي هذه التصريحات لتسلط الضوء على التحولات في المواقف الدولية، حيث يبدو أن طول أمد الحرب وتداعياتها الاقتصادية العالمية بدأت تدفع بعض الحلفاء الغربيين للتفكير في حلول براغماتية قد تكون قاسية على الجانب الأوكراني، بهدف تجنب تصعيد أكبر أو حرب استنزاف لا نهاية لها.



