
التصعيد الحوثي يفاقم أعباء المعيشة على اليمنيين
تواجه الأسر اليمنية في العاصمة المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية ضغوطاً معيشية متصاعدة، مع عودة التوتر العسكري والمواجهات المسلحة، وسط مخاوف من أن يفتح التصعيد جبهة جديدة ضد اقتصاد أنهكته سنوات الحرب، ويعمق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، بعدما استنفد ملايين اليمنيين معظم قدرتهم على التكيف مع الأزمة.
وكشفت مصادر إغاثية عن تدهور ملحوظ في الأوضاع الإنسانية في صنعاء ومدن يمنية أخرى، محذرة من أن القيود الميدانية المستمرة وتقليص المساعدات الدولية يضعان المنظمات الإنسانية أمام فجوة متزايدة بين حجم الاحتياجات وقدرتها على الاستجابة، بما يهدد باتساع دائرة الاحتياج بين الفئات الأكثر هشاشة.
ولا تقتصر آثار التصعيد على المناطق التي تشهد مواجهات مباشرة، بل تمتد سريعاً إلى الأسواق وحركة النقل وأسعار السلع والوقود، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتوفير احتياجاته الأساسية. ويعني أي اضطراب في طرق التجارة أو حركة الشحن ارتفاعاً إضافياً في كلفة السلع والخدمات، بينما تجد الأسر محدودة الدخل نفسها أمام خيارات أقل لمواجهة الزيادات المتلاحقة.
وتقول مصادر محلية إن الأسر في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين باتت تتعامل مع السوق بمنطق مختلف عما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ لم تعد القدرة الشرائية تقاس بحجم الدخل وحده، وإنما بعدد الاحتياجات التي يمكن الاستغناء عنها لتوفير الضروريات.
ويؤكد سكان في العاصمة المختطفة أن الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الغذائية، بالتزامن مع تراجع فرص العمل وعدم انتظام الرواتب، جعل تأمين الاحتياجات الأساسية مهمة أكثر صعوبة، خصوصاً للأسر التي تعتمد على دخل ثابت أو أعمال يومية غير منتظمة.
ندرة فرص العمل
يقول «أحمد»، وهو عامل بالأجر اليومي في صنعاء، إن المشكلة لا تتعلق بالأسعار وحدها، وإنما أيضاً بعدم ضمان الحصول على عمل يومي. ويضيف أن العامل «قد يعمل عدة أيام، ثم تمر أيام من دون دخل»، بينما تبقى التزامات الإيجار والطعام والمواصلات وتكاليف الأطفال قائمة.
ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار يتزامن مع غياب فرص العمل وانقطاع الرواتب لدى قطاعات واسعة، ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار المواد الأساسية عبئاً يصعب تحمله.

من جانبه، يقول موظف في القطاع الخاص شمال صنعاء، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الراتب «لم يعد يكفي كما كان». ويضيف أن الذهاب إلى السوق بات يتطلب حساب قيمة كل سلعة قبل شرائها، وأحياناً تكتفي الأسرة ببعض الاحتياجات وتؤجل شراء أخرى إلى الشهر التالي.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف المواصلات والغذاء يفرض ضغطاً إضافياً على الأسر التي تعتمد على راتب ثابت، خصوصاً مع تراجع فرص العمل وارتفاع الالتزامات اليومية.
أما «سميرة»، وهي أم لثلاثة أطفال تقيم في ضواحي العاصمة، فتقول إن أسرتها اضطرت إلى تغيير نمط استهلاكها الغذائي، مضيفة: «أصبحنا نشتري الكمية الأقل من المواد الغذائية، ونحاول أن نجعل ما لدينا يكفي لأطول فترة ممكنة. الأشياء التي كانت عادية بالنسبة لنا باتت تحتاج إلى حساب».
التصعيد يهدد الأسواق
تتجاوز المخاوف المعيشية لدى سكان صنعاء حدود القلق من تجدد القتال، إذ تعني كل جولة تصعيد احتمالاً جديداً لفقدان الدخل أو ارتفاع الأسعار أو تراجع الخدمات، في وقت استُنفدت فيه معظم وسائل التكيف التي لجأت إليها الأسر خلال سنوات الأزمة.
ويخشى السكان أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى موجة جديدة من الغلاء، خصوصاً مع هشاشة سلاسل الإمداد واعتماد السوق اليمنية على الواردات. كما أن ارتفاع كلفة النقل والشحن قد ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والوقود والسلع الأساسية.

ويرى مراقبون وباحثون يمنيون أن الاقتصاد المحلي لم يستعد قدرته على امتصاص صدمات جديدة، بعد سنوات من تراجع النشاط التجاري وتدهور مصادر الدخل وانقسام المؤسسات الاقتصادية والمالية، في حين أصبحت الأسر أكثر تعرضاً لأي ارتفاع مفاجئ في الأسعار.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على السلع، إذ يمكن أن يؤدي اتساع المواجهات إلى تراجع النشاط التجاري وفرص العمل، بما يضع مزيداً من الأسر أمام فقدان مصادر دخلها، ويزيد الاعتماد على المساعدات في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل والموارد.
وتحذر مصادر في المجال الإنساني من أن استمرار التصعيد قد يوسع دائرة الاحتياج، خصوصاً بين النازحين والأطفال والنساء والأسر التي فقدت مصادر دخلها نتيجة الحرب، في وقت تواجه فيه المنظمات قيوداً ميدانية وصعوبات متزايدة في الوصول إلى بعض الفئات.

ومع تجدد المواجهات، تبرز أيضاً مخاوف من اضطرار أسر جديدة إلى النزوح، بما يفرض عليها أعباء إضافية تشمل الإيجارات والغذاء والمياه والرعاية الصحية، بينما لا تزال قدرة الاستجابة الإنسانية على تغطية هذه الاحتياجات محدودة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحذيرات الأمم المتحدة من أن اليمن يواجه خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، في ظل استمرار التصعيد العسكري على عدد من الجبهات وتدهور الوضع الإنساني.



