
تبريد ساحات المسجد النبوي: مظلات عملاقة ورخام نادر
مع ارتفاع درجات الحرارة في المدينة المنورة، خاصة خلال مواسم الحج والعمرة التي تتزامن مع فصل الصيف، تبرز الجهود الهندسية والتقنية التي تبذلها المملكة العربية السعودية لضمان راحة وسلامة ملايين الزوار والمصلين في المسجد النبوي. تشكل ساحات المسجد الشريف منظومة خدمية متكاملة، صُممت بعناية فائقة لتلطيف الأجواء وتوفير بيئة إيمانية مريحة، مما يسمح لضيوف الرحمن بأداء عباداتهم بيسر وطمأنينة.
خلفية تاريخية: توسعات مستمرة لخدمة الزوار
شهد المسجد النبوي على مر العصور توسعات متعددة لخدمة الأعداد المتزايدة من المسلمين. إلا أن التوسعة السعودية، وتحديداً في عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، تعد الأضخم في تاريخه، حيث أضافت مساحات واسعة ومرافق حديثة. ضمن هذا المشروع الضخم، تم تصميم الساحات الخارجية لتكون أكثر من مجرد مساحات إضافية للصلاة، بل كجزء حيوي من تجربة الزائر، مع إيلاء اهتمام خاص للتحديات المناخية في المنطقة. وتستمر هذه العناية في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده، حيث يتم توظيف أحدث التقنيات لتعزيز الخدمات المقدمة.
منظومة تبريد متكاملة: تحف هندسية في خدمة المصلين
تعتمد استراتيجية تبريد ساحات المسجد النبوي على عنصرين رئيسيين يعملان بتناغم تام: المظلات العملاقة وأرضيات الرخام النادر.
1. المظلات العملاقة المتحركة
تُعد المظلات البالغ عددها 250 مظلة أيقونة معمارية للمسجد النبوي. هذه المظلات ليست مجرد هياكل لتوفير الظل، بل هي نظام تبريد متطور. يصل وزن المظلة الواحدة إلى حوالي 40 طنًا، وترتفع لأكثر من 21 مترًا، وتغطي عند فتحها مساحات شاسعة قادرة على استيعاب ما يزيد عن 228 ألف مصلٍ. تعمل هذه المظلات بنظام آلي دقيق، حيث تُفتح صباحًا مع شروق الشمس وتُغلق قبل غروبها، لتوفير الظل خلال ساعات النهار الحارة. ولزيادة فعالية التبريد، زُوّدت المظلات بـ 436 مروحة رذاذ، تقوم بضخ رذاذ الماء البارد مع الهواء، مما يساهم في خفض درجة الحرارة المحسوسة بشكل كبير ويخلق بيئة منعشة تحتها.
2. رخام “ثاسوس” الأبيض النادر
أما العنصر الثاني في منظومة التبريد، فهو الأرضيات المكسوة برخام “ثاسوس” الأبيض، الذي تم استيراده خصيصًا من جزيرة ثاسوس اليونانية. يتميز هذا النوع من الرخام بقدرته الفريدة على عكس أشعة الشمس والحرارة بدلاً من امتصاصها، مما يجعله باردًا ومريحًا للمشي عليه حتى في أوقات الظهيرة. الخاصية المذهلة الأخرى لهذا الرخام هي مساميته الدقيقة التي تسمح له بامتصاص الرطوبة خلال الليل وإطلاقها ببطء خلال النهار، مما يعمل كملطّف طبيعي للحرارة ويضيف برودة للأجواء.
الأهمية والأثر المحلي والدولي
لا تقتصر أهمية هذه المنظومة على توفير الراحة الجسدية للمصلين فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب صحية وتنظيمية. فهي تساهم بشكل فعال في الوقاية من حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس بين الحجاج والزوار، خاصة كبار السن، مما يخفف الضغط على الخدمات الطبية. على الصعيد الدولي، تقدم هذه المشاريع الهندسية نموذجًا عالميًا رائدًا في إدارة الحشود وتكييف البيئات المفتوحة في الظروف المناخية القاسية. كما أنها تجسد التزام المملكة الراسخ بتسخير كافة الإمكانيات والموارد لخدمة الحرمين الشريفين، وتعزيز مكانتها كقلب للعالم الإسلامي، وتقديم أرقى مستوى من الخدمات لضيوف الرحمن القادمين من شتى بقاع الأرض.



