
بين فرحة جورجينا وعزلة عائشة تامبا.. «العائلة» صنعت مجد النصر
ما إن سدد رونالدو الكرة في شباك ضمك، حتى أدار رأسه ناحية المدرج. لم ينظر للجماهير. نظر إلى صف محدد، يجلس قريباً من أرضية الملعب: امرأة ترقص، وأطفال يقفزون فوق المقاعد، وطفلة صغيرة ترفعها أمها بين يديها كأنها تريد أن تشاهد الملعب بشكل أوضح.
تلك العائلة كانت تنظر منذ ثلاث سنوات ونصف. تشاهد الإخفاقات، وتشهد على الدموع الصامتة بعد كل نهائي ضائع. وفي هذه الليلة، كانت تنظر إلى نهاية مختلفة.
هذه قصة العائلات التي وقفت خلف اللاعبين النصراويين، التي شاهد الجميع احتفالها بعد تتويج النصر بدوري روشن.
جورجينا رودريغيز.. الشاهدة الدائمة
منذ أن ارتبطا في 2016 اعتادت جورجينا التواجد في احتفالات تتويج شريكها في 3 بلدان مختلفة بداية من ريال مدريد الإسباني مروراً بيوفنتوس الإيطالي ووصولاً إلى النصر، حضرت لحظة رفع كأس دوري أبطال أوروبا 2018 في كييف، وحضرت تتويج يوفنتوس بالكالتشيو موسم 2018-2019. لكن في السعودية، كان الانتظار أطول مما توقعت.
قبل ليلة التتويج أمام ضمك، كانت جورجينا قد حضرت أكثر من مناسبة لم تكتمل فيها فرحة رونالدو مع النصر. ظهرت في مباريات كبيرة، كان آخرها مواجهة الهلال في الجولة السابقة، حين تعادل النصر وفشل في حسم اللقب مبكراً أمام غريمه التقليدي.
في تلك المباراة قبل أسبوعين، جلست جورجينا قرب أرضية الملعب، في مشهد لافت يشبه أجواء مباريات كرة السلة الأمريكية من حيث القرب والتفاعل المباشر مع اللاعبين، مرتدية كوفية بشعار النصر. لكنها غادرت المدرج تلك الليلة دون فرحة. بعد أن تأجل الحلم إلى جولة أخرى.
ثم جاءت ليلة الخميس. أظهرت اللقطة جورجينا رودريغيز وهي ترقص فرحاً خلال تواجدها في مدرجات ملعب الأول بارك برفقة أطفالها، احتفالاً بتحقيق فريق «العالمي» للقب، قبل أن تصفق للاعبي الفريق.
وعندما أكمل كريستيانو رونالدو ثنائيته، احتفلت عائلة النجم البرتغالي بحماس شديد فرقصت جورجينا مع طفلهما وسط بحر من المشجعين الذين يرتدون اللون الأصفر، لكن التفصيلة الأهم لم تكن في الرقص، بل في اللحظة التي تلت الهدف الرابع: حين سار رونالدو ببطء إلى منتصف الملعب وانفجر بالبكاء، ناظراً نحو المدرجات حيث كانت جورجينا رودريغيز وأطفالها في غاية السعادة.
تبادل النظرات هذا كان رسالة لم يفهمها أحد سواهم: فالانتظار انتهى أخيراً.
أطفال رونالدو: جيل لم يشاهد والده يرفع كأس دوري
كريستيانو جونيور وُلد عام 2010. حين كان طفلاً صغيراً، شاهد والده يرفع كأس دوري أبطال أوروبا أربع مرات في ست سنوات مع ريال مدريد. لكن التوأم إيفا وماتيو، ومن بعدهما ألانا وبيلا وأخيراً بيلا إسميرالدا، لم يعرفوا والدهم بطلاً لدوري إلا في هذه الليلة.
ماتيو خصوصاً كان حاضراً في كل المنعطفات الأخيرة. وسبق أن ظهرت جورجينا في المدرجات برفقة نجلها ماتيو، حيث جلست في مقاعد قريبة جداً من أرضية الملعب في مباراة الهلال. وفي ليلة الحسم، كان معها كاملة عائلة الدون.
إن طفلاً في الخامسة، من الصعب أن يفهم لماذا والده يبكي بعد تسجيل هدف. لكنه سيكبر يوماً ويشاهد الفيديو، ويعرف أن تلك الليلة كانت مختلفة.
عائشة تامبا: زوجة ماني التي لا تظهر
في الطرف المقابل من الطيف العاطفي، كانت قصة أهدأ بكثير تكتمل أيضاً. فالنجم السنغالي ساديو ماني الذي افتتح التسجيل في الدقيقة 33 ومنح النصر الأمان منذ بداية الليلة، يعيش حياة عائلية مختلفة تماماً عن مواطنه البرتغالي.
لقد عقد قرانه على تامبا في يناير 2024، قبل أن تعود زوجته إلى مدرستها لمواصلة دراستها. وكانت قد غادرت المدرسة قبل ثمانية أشهر فقط للالتحاق به في السعودية بعد انضمامه إلى النصر عام 2023. أما الآن، فلديهما طفلة اسمها آمنة.
ماني له موقف معروف من حضور زوجته في الملاعب. قال مرة: «لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أسمح لزوجتي بأن تجلس في المدرجات وتتعرض للمضايقات، يمكنها أن تراني في التلفاز مثل أمي وأختي وبنات قريتي».
لذا حين سجل ماني هدفه في الدقيقة 33، لم يكن ينظر إلى المدرج. كان يعرف أن عائشة تشاهد من البيت، تحمل آمنة، وتنتظر مكالمة الفيديو بعد المباراة.
وعقب فوزه بكأس أفريقيا قال ماني كلمة معبرة: «في بطولة كأس الأمم الإفريقية 2021 لم تكن لدي زوجة أو طفل، وكانت تلك البطولة مميزة للغاية بالنسبة لي ولكن الآن احتفلت مع زوجتي وابنتي لذا أصبح هذا النصر أكثر أهمية بكثير والسعادة لا توصف».
والآن يدخل لقب الدوري السعودي إلى حسابه العائلي، لا الفردي فقط.
جواو فيليكس.. شاب وحيد لم يحقق لقباً منذ سنوات
في زاوية أخرى من الصورة، وقف لاعب لم يعتد على هذه اللحظات. إنه جواو فيليكس (26 عاماً) الذي وصفه العالم يوماً بأنه «ميسي البرتغالي» حين فجّر بنفيكا في موسمه الأول 2018-2019. ومنذ ذلك الموسم، لم يفز فيليكس بأي لقب دوري. رغم مرور سنوات في أتلتيكو مدريد، وإعارات لتشيلسي وبرشلونة، إلى أن وصل النصر هذا الموسم باحثاً عن البداية الجديدة.
لم يكتفِ النجم البرتغالي الشاب بكونه أكثر لاعبي النصر إسهاماً في صناعة وتسجيل الأهداف هذا الموسم، بل سجل ثلاثة أهداف (هاتريك) في الدقائق 3 و10 و90، ليسهم بشكل مباشر في فوز النصر بنتيجة 4-2 ضد الشباب قبل جولتين من النهاية، وحصد جائزة رجل المباراة.
وفي ليلة الحسم، حرص الأسطورة كريستيانو رونالدو، ومواطنه النجم جواو فيليكس، ومعهما المدير الفني خورخي خيسوس، على الاحتفال بطريقة خاصة بعد تتويج النصر بالدوري السعودي. والتقط الثلاثي البرتغالي صوراً تذكارية عديدة وهم يرتدون علم بلدهم البرتغال فوق منصة التتويج.
لفيليكس، هذا اللقب ليس مجرد كأس. إنه دليل على أنه لم ينتهِ بعد.
العائلات السعودية المنسية
لا تكتمل القصة دون الإشارة إلى الأبطال الذين لم تركز عليهم العدسات: عائلات اللاعبين السعوديين. نواف بوشل، وعبد الإله العمري، وعبدالله الخيبري، وأيمن يحيى، وعبدالله الحمدان، وسالم النجدي، فكل واحد منهم وراءه أم وأب وإخوة وزوجة عاشوا ضغط ارتداء أبنائهم لقميص النصر دون لقب دوري لسنوات.
العمري وحده انتظر هذا اللقب أكثر من عقد. ابن النصر الذي فاز بالدوري في العام الماضي مع الاتحاد بعد أن تدرج في فرق العالمي السنية، يعرف ما تعنيه تلك الكأس للعائلات التي تشاهد كل أسبوع من بيوتها في الرياض وجدة والدمام، ويعلقون آمالهم على ابنهم وزملائه.
أما والدة سالم النجدي التي حضرت للملعب في المرة الأولى في حياتها، فلم تتمالك نفسها، وانهمرت عيونها بالدموع بينما لسانها يلوك سلسلة من الدعوات والتهنئات الموجهة لابنها.
ولم يختلف الحال عند عائلة نواف بوشل التي حضرت مع والده، أو عائلة عبدالله الحمدان التي حضرت مع والده النجم السابق الكابتن عبدالرحمن الحمدان، فكل تلك العائلات، التي لا تظهر صورها في الترند، هي الذاكرة الحقيقية لأفراح نجوم النادي.
ما لم تلتقطه الكاميرات
في عالم كرة القدم الحديثة، صرنا نتعامل مع اللاعب كرقم: ونحسب الأهداف، والتمريرات، والنقاط. لكن في تلك الدقيقة 81 من مباراة ضمك، حين أدار رونالدو رأسه إلى جورجينا، تذكرنا أن خلف كل لاعب يبكي على أرض الملعب، هناك عائلة بكت قبله بكثير، في الكواليس، وفي البيوت، وفي الصلوات.
اللقب الذي رفعه النصر مساء الخميس ليس لكريستيانو رونالدو وحده. هو لجورجينا التي حملت ابنها بين يديها وهي ترقص، ولعائشة تامبا التي شاهدت من بعيد، ولأهالي اللاعبين السعوديين الذين بكوا بصمت في الملاعب وفي غرف معيشتهم.
والكاميرات، رغم كل تطورها، لا تستطيع أن تلتقط كل هذا.


