العالم العربي

التقارب المصري السوري: كيف تعيد مشروعات الطاقة رسم العلاقات؟

مقدمة: ضرورات اقتصادية تكسر الجليد السياسي

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز ملف التقارب المصري السوري كأحد التطورات اللافتة التي تحركها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة. فبعد سنوات من الفتور الدبلوماسي الذي أعقب الأزمة السورية، بدأت مشروعات الطاقة، وعلى رأسها مشروع إحياء خط الغاز العربي، تلعب دوراً محورياً في إعادة رسم خريطة العلاقات بين القاهرة ودمشق، وإن بخطوات حذرة ومدروسة تعكس تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي.

من القطيعة إلى التعاون.. مسار العلاقات بين القاهرة ودمشق

لم تكن العلاقات المصرية السورية بمنأى عن تداعيات ما يُعرف بـ “الربيع العربي”. ففي عام 2011، تم تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وانخرطت معظم العواصم العربية في قطيعة دبلوماسية مع دمشق. ورغم ذلك، حافظت القاهرة على موقف متمايز نسبياً، حيث أكدت مراراً على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها الوطنية، ورفضت التدخلات الخارجية، مع إبقاء قنوات اتصال أمنية مفتوحة. هذا الموقف الثابت مهّد الطريق أمام إمكانية استئناف العلاقات بشكل تدريجي عندما سنحت الظروف الإقليمية، والتي توجت بعودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية عام 2023، وهي خطوة دعمتها مصر بقوة.

خط الغاز العربي: شريان اقتصادي يعزز التقارب المصري السوري

يُعد مشروع إعادة تشغيل خط الغاز العربي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها التعاون الاقتصادي الحالي. يهدف المشروع إلى نقل الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، للمساهمة في حل أزمة الطاقة الخانقة التي يعاني منها لبنان. وتكمن أهمية سوريا في كونها دولة عبور لا غنى عنها لنجاح هذا المشروع الحيوي. هذه الضرورة الاقتصادية والإنسانية فرضت على جميع الأطراف، بما في ذلك المجتمع الدولي، التعامل بواقعية مع الحكومة السورية. وقد شكلت الاستثناءات الأمريكية من “قانون قيصر”، الذي يفرض عقوبات صارمة على دمشق، ضوءاً أخضر ضمنياً للمضي قدماً في المشروع، مما فتح الباب أمام تعاون فني وتقني مباشر بين وزارات الطاقة في البلدان الأربعة المعنية.

أبعاد استراتيجية وتأثيرات إقليمية

يتجاوز هذا التقارب أبعاده الاقتصادية المباشرة ليحمل دلالات استراتيجية هامة. فمن ناحية، يعزز هذا التعاون دور مصر كلاعب إقليمي محوري وقوة مؤثرة في معادلات الطاقة بالمنطقة، كما يرسخ مكانتها كمركز إقليمي للطاقة. ومن ناحية أخرى، يمثل خطوة عملية نحو إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، وهو ما تعتبره القاهرة ضرورياً لتحقيق الاستقرار الإقليمي والحد من نفوذ القوى غير العربية في الساحة السورية. إن عودة العلاقات الطبيعية بين القاهرة ودمشق قد تساهم في المدى الطويل في إيجاد حلول سياسية للأزمة السورية وتنسيق الجهود في ملفات مشتركة مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى