
التسوية بين واشنطن وطهران وتأثيرها على اتفاق غزة | تحليل
تتصاعد في الأوساط السياسية مؤشرات على وجود تفاهمات غير مباشرة تهدف إلى خفض التصعيد، فيما يمكن وصفه بأنه بوادر التسوية بين واشنطن وطهران، وذلك بهدف تجنب انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة. ورغم أن هذه الخطوة تحمل في طياتها أهمية استراتيجية لتحقيق الاستقرار، إلا أن الآمال المعقودة على أن تقود هذه التهدئة إلى اختراق حاسم في مسار مفاوضات «اتفاق غزة» المتعثرة تبدو متفائلة أكثر من اللازم، حيث تظل تعقيدات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي رهينة حسابات أعمق وأكثر تشابكاً.
لفهم الديناميكيات الحالية، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الأمريكية الإيرانية، التي اتسمت بالعداء وانعدام الثقة منذ عقود. هذه العلاقة المتوترة، التي تفاقمت بشكل كبير خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر سياسة “الضغط الأقصى” والانسحاب من الاتفاق النووي، خلقت واقعاً جيوسياسياً معقداً. أصبحت فيه أي قناة تواصل، حتى لو كانت غير مباشرة عبر وسطاء كسلطنة عمان، إنجازاً يهدف بالدرجة الأولى إلى إدارة الأزمات ومنعها من الخروج عن السيطرة، وليس حلها بشكل جذري. وبالتالي، فإن التفاهمات الحالية تندرج ضمن سياق إدارة الصراع لا إنهائه، حيث تسعى واشنطن لتفادي حرب أوسع في عام انتخابي حاسم، بينما ترغب طهران في الحفاظ على نفوذها الإقليمي دون الدخول في مواجهة عسكرية مدمرة.
التسوية بين واشنطن وطهران: تأثير محدود على مسار مفاوضات غزة
إن جوهر التفاهمات الأمريكية الإيرانية الحالية يتركز على وضع “قواعد اشتباك” غير معلنة لمنع تكرار سيناريوهات المواجهة المباشرة التي شهدتها المنطقة مؤخراً. تشمل هذه التفاهمات على الأرجح ضبط إيقاع عمليات الفصائل الموالية لإيران في المنطقة، مقابل تخفيف غير رسمي لبعض الضغوط الاقتصادية. هذا المسار، رغم إيجابيته في خفض منسوب التوتر الإقليمي، إلا أنه لا يمس جوهر الخلافات في ملف غزة. فالمفاوضات هناك تصطدم بمطالب متضاربة يصعب التوفيق بينها.
لماذا لا تضمن التهدئة الإيرانية-الأمريكية تقدماً في ملف غزة؟
تكمن العقبة الرئيسية أمام اتفاق غزة في المواقف المتباينة لأطراف الصراع المباشرين. حركة حماس، المدعومة من إيران، تتمسك بمطلبها بوقف دائم لإطلاق النار وانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من القطاع، وهي شروط تعتبرها أساسية لأي اتفاق. في المقابل، ترفض الحكومة الإسرائيلية الحالية هذه المطالب بشكل قاطع، وتصر على استمرار عمليتها العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة، وعلى رأسها القضاء على قدرات حماس العسكرية والسلطوية. هذا التباين الجذري في الأهداف النهائية يجعل من الصعب على أي طرف خارجي، بما في ذلك إيران، فرض تسوية لا تلبي الحد الأدنى من مطالب حلفائها على الأرض. فطهران قد تمتلك نفوذاً، لكنها لا تملك سيطرة مطلقة على قرارات الحركة التي تحركها أيضاً حسابات فلسطينية داخلية ورؤية خاصة لمستقبل الصراع.
في المحصلة، يمكن القول إن التهدئة بين واشنطن وطهران هي متغير مهم في المشهد الإقليمي، لكنها ليست العامل الحاسم في تحديد مصير مفاوضات غزة. يبقى التوصل إلى اتفاق هناك معتمداً بشكل أساسي على قدرة الوسطاء، مثل مصر وقطر، على إيجاد صيغة مقبولة من الطرفين المتحاربين، وهو أمر لم يتحقق بعد بسبب الفجوة الهائلة في مواقفهما.




