استراتيجية التخصيص السعودية: استثمارات بـ 240 مليار ريال

تمثل البيانات الحديثة المعلنة للإستراتيجية الوطنية للتخصيص في المملكة العربية السعودية نقطة تحول جوهرية في مسار التحول الاقتصادي، حيث تعكس انتقال الدولة إلى نموذج إدارة اقتصادي متطور يعتمد على تعظيم العائد الكلي. يتم ذلك عبر هيكلة الشراكات الذكية وتوجيه رأس المال الخاص ضمن إطار تنظيمي واضح وشفاف. وتشير الأرقام بوضوح إلى بناء محفظة استثمارية منضبطة، تُدار بمنطق الأسواق العالمية، حيث يُقاس النجاح بحجم الأثر الاقتصادي، واستدامة التدفقات المالية، وكفاءة توزيع المخاطر بين القطاعين العام والخاص.
سياق رؤية 2030 والتحول الاقتصادي
تأتي هذه الخطوات المتسارعة كجزء لا يتجزأ من رؤية المملكة 2030، التي أُطلقت في عام 2016 بهدف تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل. لقد كان التخصيص أحد الركائز الأساسية لهذه الرؤية، حيث يسعى لرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي من 40% إلى 65%. هذا السياق التاريخي يوضح أن الأرقام الحالية ليست مجرد صفقات مالية، بل هي ترجمة عملية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وتحويل دور الحكومة من مشغل للخدمات إلى منظم ومراقب يضمن الجودة والكفاءة.
أرقام ومستهدفات طموحة
تستهدف الإستراتيجية 18 قطاعاً حيوياً ضمن نطاق واحد، مع مستهدف استثمارات رأسمالية من القطاع الخاص بقيمة تصل إلى 240 مليار ريال حتى عام 2030. هذا الحجم الهائل من الاستثمارات يعكس إعادة تموضع للدولة بصفتها جهة منظمة للسوق، تضع المعايير وتدير المخاطر النظامية، فيما يتولى رأس المال الخاص دور التشغيل والتطوير والابتكار.
وفي تفاصيل الشراكات، تبلغ القيمة المقدّرة حوالي 43 مليار ريال موزعة على 221 عقداً، مما يشير إلى متوسط يقارب 195 مليون ريال للعقد الواحد. هذا المتوسط يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تفضيل العقود متوسطة إلى كبيرة الحجم، القادرة على توليد كفاءة تشغيلية تراكمية، مع ضمان توزيع المخاطر عبر عدد واسع من الاتفاقيات بدلاً من تركّزها في صفقات محدودة قد تشكل عبئاً في حال تعثرها.
الانتقائية ومعايير الجودة العالمية
من زاوية الانتقائية، تُظهر البيانات اختيار 147 فرصة استثمارية ذات أولوية من بين أكثر من 500 مشروع مطروح، بنسبة قبول تقارب 29%. هذه النسبة تتسق تماماً مع نماذج المراكز المالية الدولية التي تعتمد الفرز الرأسمالي الصارم، حيث يُمنح رأس المال للمشاريع الأعلى قابلية للعائد والاستدامة، مع استبعاد المشاريع منخفضة الكفاءة أو مرتفعة المخاطر، مما يعزز من جاذبية البيئة الاستثمارية السعودية للمستثمر الأجنبي والمحلي على حد سواء.
العوائد المالية والأثر الاقتصادي المتوقع
على الصعيد المالي، تستهدف الاستراتيجية تحقيق 27 مليار ريال صافي عوائد حكومية. هذا المؤشر يضع التخصيص ضمن نموذج تحقيق قيمة مالية مباشرة للخزينة العامة، مع المحافظة على دور الدولة في التنظيم والرقابة وضمان جودة الخدمة المقدمة للمواطنين. صافي العائد هنا يعمل كمقياس أداء نهائي، يربط بين السياسات العامة والانضباط المالي. ومن المتوقع أن يسهم هذا الحراك في خلق فرص عمل جديدة، ونقل المعرفة والتقنية، وتحسين جودة الخدمات في قطاعات مثل الصحة، التعليم، والنقل، والمياه.
قراءة الخبراء للمشهد
وفي تعليقه على هذه التطورات، يرى الخبير الاقتصادي عيد العيد أن الأرقام «تعكس انتقال الدولة إلى إدارة دورة استثمارية مكتملة، تبدأ بالانتقائية وتنتهي بصافي عائد قابل للقياس». ويشير العيد إلى نقطة جوهرية تتعلق بإدارة المخاطر، موضحاً أن «توزيع 43 مليار ريال على 221 عقداً يحد من المخاطر النظامية، ويعزّز مرونة المحفظة الاستثمارية». ويختتم تحليله بالتأكيد على أن «تركيز الإستراتيجية على عدد محدود من الفرص عالية الجودة ينسجم مع ممارسات المراكز المالية العالمية التي تفضّل العمق والجودة على الاتساع الكمي غير المدروس».



