إسبانيا تطلب رئاسة المركزي الأوروبي وتوقعات باستقالة لاغارد

في خطوة استباقية لافتة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، دخلت إسبانيا رسمياً سباق المنافسة على منصب رئاسة البنك المركزي الأوروبي، لتكون بذلك أول دولة تعلن صراحة عن طموحها لخلافة الرئيسة الحالية «كريستين لاغارد». يأتي هذا التحرك الإسباني السريع وسط تصاعد التكهنات والتقارير الصحفية التي تشير إلى احتمالية استقالة لاغارد من منصبها قبل انتهاء ولايتها الرسمية المقررة في أكتوبر 2027.
وأكدت وزارة الاقتصاد الإسبانية في بيان رسمي صدر اليوم، عزم مدريد على ضمان دور قيادي مؤثر لها داخل المؤسسة المالية الأهم في أوروبا. وجاء في البيان أن إسبانيا «ستعمل لضمان حصولها على ثقل قيادي داخل المركزي الأوروبي»، مبدية استعدادها التام لتقديم مرشح يتمتع بأعلى درجات الكفاءة والقوة في حال تم تسريع عملية اختيار الخليفة المنتظر.
كواليس التخطيط للمغادرة المبكرة
هذا الإعلان الإسباني لم يأتي من فراغ، بل جاء تعقيباً على تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، كشف عن خطط غير معلنة لرئيسة البنك المركزي لمغادرة منصبها مبكراً. ووفقاً للتقرير، فإن هذه الخطوة تهدف لتمكين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني المحتمل فريدريش ميرتس من التوافق على اختيار خليفة لها قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2026، مما يضمن استمرار التوازن السياسي في قيادة البنك.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن استقالة لاغارد قد تحدث بحلول هذا الصيف، بينما أشار مسؤول حكومي أوروبي إلى أن المنافسة ستكون محتدمة للغاية. ورغم نفي البنك المركزي الأوروبي رسمياً لهذه الأنباء وتأكيده على تركيز لاغارد الكامل على مهامها، إلا أن المستثمرين والمراقبين اعتبروا صيغة النفي «أقل حسماً» مقارنة ببيانات سابقة، مما عزز فرضية التغيير القادم.
السياق التاريخي وأهمية المنصب
تكتسب رئاسة البنك المركزي الأوروبي أهمية قصوى كونها تتحكم في السياسة النقدية لمنطقة اليورو بأكملها. ومنذ تأسيس البنك، خضع اختيار الرئيس لتوازنات سياسية دقيقة بين القوى الاقتصادية الكبرى في القارة، وتحديداً بين دول الشمال (مثل ألمانيا وهولندا) ودول الجنوب (مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا). وقد تعاقب على المنصب شخصيات بارزة مثل الهولندي ويم دويسيمبيرغ، والفرنسي جان كلود تريشيه، والإيطالي ماريو دراغي، وصولاً إلى الفرنسية كريستين لاغارد.
وتسعى إسبانيا، التي يشغل وزير اقتصادها السابق «لويس دي غويندوس» حالياً منصب نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي من خلال الظفر بالمنصب الأول. ويرى محللون أن مدريد تحاول استغلال أدائها الاقتصادي الجيد نسبياً مقارنة بتباطؤ الاقتصاد الألماني لتقديم نفسها كقائد جديد للسياسة النقدية الأوروبية.
التأثيرات المتوقعة محلياً وإقليمياً
إن تغيير قيادة البنك المركزي الأوروبي في هذا التوقيت الحساس يحمل دلالات عميقة؛ فالقارة العجوز تواجه تحديات اقتصادية جمة، تشمل معدلات التضخم المتذبذبة، وضعف النمو الاقتصادي، والحاجة لتمويل التحول الأخضر والرقمي. ومن شأن اختيار خليفة لاغارد أن يحدد توجهات أسعار الفائدة لسنوات قادمة، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الأسواق المالية، وتكاليف الاقتراض للحكومات والشركات، وجيوب المواطنين الأوروبيين.
علاوة على ذلك، فإن الإسراع في تعيين رئيس جديد قبل الانتخابات الفرنسية يعكس رغبة القادة الحاليين في تحصين المؤسسات الأوروبية من أي تقلبات سياسية محتملة قد تأتي بها صناديق الاقتراع في المستقبل القريب، مما يجعل المعركة على خلافة لاغارد ليست مجرد شأن اقتصادي، بل مناورة جيوسياسية بامتياز.



