اقتصاد

النقد الدولي يطالب الصين بتعزيز الاستهلاك المحلي بدل التصدير

وجه صندوق النقد الدولي انتقادات صريحة للسياسات الاقتصادية المتبعة حالياً في الصين، داعياً بكين إلى إجراء إصلاحات هيكلية عاجلة لتقليل اعتمادها المفرط على الصادرات كمحرك رئيسي للنمو، والتحول بدلاً من ذلك نحو تعزيز الاستهلاك المحلي. جاء ذلك في بيان صادر عن المجلس التنفيذي للصندوق في ختام مشاورات «المادة الرابعة» السنوية، حيث اعتبر الصندوق أن السياسات الحالية تتسبب في هدر للموارد الداخلية وتخلق تداعيات سلبية ملموسة على الشركاء التجاريين للصين حول العالم.

جدل العملة والميزة التنافسية

وفي تفاصيل التقرير، أشار خبراء الصندوق إلى أن سعر صرف العملة الصينية (اليوان) يلعب دوراً محورياً في الاختلالات التجارية الحالية. وقدر الصندوق أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان كان مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية بنسبة تصل إلى 16% في المتوسط خلال العام الماضي. هذا الانخفاض يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية سعرية كبيرة في الأسواق العالمية، مما يثير حفيظة الاقتصادات الكبرى الأخرى التي ترى في ذلك منافسة غير عادلة تضر بصناعاتها المحلية.

السياق الاقتصادي: أزمة العقارات وضعف الطلب

لفهم خلفية هذه الانتقادات، يجب النظر إلى السياق الاقتصادي الذي تمر به الصين. فعلى مدار العقود الماضية، اعتمدت الصين نموذجاً قائماً على الاستثمار الكثيف في البنية التحتية والتصنيع الموجه للتصدير. ومع ذلك، واجه هذا النموذج تحديات جمة مؤخراً، أبرزها أزمة القطاع العقاري التي أدت إلى تآكل ثروات الأسر الصينية وتراجع ثقة المستهلكين. هذا الوضع دفع الأسر إلى زيادة معدلات الادخار بدلاً من الإنفاق، مما أضعف الطلب المحلي وجعل الاقتصاد أكثر ارتهانًا بالأسواق الخارجية لتصريف فائض الإنتاج الصناعي.

تداعيات عالمية ومخاوف من «القدرة الفائضة»

تكتسب تحذيرات صندوق النقد الدولي أهمية خاصة في ظل التوترات التجارية المتصاعدة عالمياً. فالدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، تعبر بشكل متزايد عن قلقها مما تصفه بـ «القدرة الإنتاجية الفائضة» للصين، خاصة في قطاعات التكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية. ويرى المحللون أن استمرار الصين في ضخ صادرات رخيصة مدعومة بضعف العملة قد يؤدي إلى إجراءات حمائية مضادة، مما يهدد استقرار نظام التجارة العالمي.

الرد الصيني وتوقعات النمو

في المقابل، رفض المدير التنفيذي الممثل للصين لدى الصندوق هذه التقييمات، مدافعاً عن سياسات بلاده. وأكد الجانب الصيني أن نمو الصادرات وقوتها في عام 2025 وما بعده لا يعود إلى التلاعب بالعملة أو الدعم غير العادل، بل هو نتاج طبيعي للقدرة الابتكارية العالية للشركات الصينية وكفاءة سلاسل التوريد.

وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، أبقى صندوق النقد الدولي على توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني عند 4.5% لهذا العام، لكنه حذر من أن المخاطر لا تزال تميل نحو الجانب السلبي، لا سيما إذا استمر ضعف الطلب المحلي وتباطأ الاقتصاد العالمي بشكل أكبر من المتوقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى