اتفاق غزة: تفاصيل المرحلة الثانية ومساعي الانتقال المنضبط

تكتسب «المرحلة الثانية» من اتفاق غزة المرتقب أهمية استراتيجية قصوى في سير المفاوضات الجارية، حيث تُعد هذه المرحلة بمثابة الجسر الحقيقي الذي يربط بين إجراءات بناء الثقة الأولية وبين الوصول إلى وقف مستدام لإطلاق النار. وتسعى الأطراف الوسيطة، المتمثلة في مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية، إلى صياغة آليات دقيقة تضمن ما يوصف بـ «الانتقال المنضبط» لتجاوز نقاط التعثر التي طالما عرقلت التوصل إلى صيغة نهائية مقبولة من كافة الأطراف.
جوهر المرحلة الثانية: التحديات والفرص
تتمحور المرحلة الثانية حول معالجة القضايا الأكثر تعقيداً وحساسية، والتي تم تأجيلها عمداً من المرحلة الأولى لتسهيل انطلاق العملية التفاوضية. وفي حين تركز المرحلة الأولى عادةً على تبادل فئات محددة من الأسرى والمحتجزين وإدخال المساعدات الإنسانية، فإن المرحلة الثانية تنشد وضع أسس لإنهاء العمليات العسكرية بشكل دائم أو طويل الأمد. ويكمن التحدي الأكبر هنا في التباين الجوهري في التفسيرات بين طرفي النزاع حول مفهوم «الهدوء المستدام» وشروط انسحاب القوات العسكرية من المناطق المأهولة في قطاع غزة.
مفهوم «الانتقال المنضبط»
يشير مصطلح «الانتقال المنضبط» الذي يتم تداوله في الأروقة الدبلوماسية إلى ضرورة وجود ضمانات دولية وإقليمية صارمة تمنع انهيار الاتفاق عند الانتقال من مرحلة إلى أخرى. يهدف هذا المفهوم إلى سد الفجوة بين المطالب بوقف شامل ونهائي للحرب، وبين الرغبة في مراحل انتقالية قد تسمح باستئناف القتال لاحقاً. ويتطلب هذا الانتقال جداول زمنية دقيقة لعودة النازحين إلى مناطقهم، وبدء عمليات الإغاثة الموسعة، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، بما يضمن عدم استخدام هذه الملفات كأوراق ضغط سياسية مستقبلاً.
السياق الإقليمي والدولي وتأثير التعثر
لا يمكن فصل تعثر أو نجاح «اتفاق غزة» عن المشهد الإقليمي المتوتر. فاستمرار الجمود في الانتقال إلى المرحلة الثانية لا ينعكس سلباً على الوضع الإنساني الكارثي في القطاع فحسب، بل يحمل تداعيات خطيرة على استقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها. تدرك القوى الدولية أن الفشل في إنجاز هذا الانتقال قد يؤدي إلى توسع رقعة الصراع لتشمل جبهات أخرى، مما يهدد أمن الممرات المائية والاقتصاد العالمي. لذلك، يُنظر إلى نجاح هذه المرحلة باعتباره صمام أمان ضروري لنزع فتيل التوتر الإقليمي المتصاعد.
الخلفية التاريخية والمسار التفاوضي
تاريخياً، شهدت جولات الصراع السابقة في غزة اتفاقات تهدئة متباينة الهشاشة، إلا أن الجولة الحالية تتميز بتعقيدات غير مسبوقة نظراً لحجم الدمار وطبيعة ملف الأسرى. وتستند الجهود الحالية إلى مقترحات سابقة (مثل مقترحات باريس والقاهرة) التي حاولت وضع إطار عمل ثلاثي المراحل. ومع ذلك، تبقى «المرحلة الثانية» هي الاختبار الحقيقي للنوايا السياسية، حيث تتطلب تنازلات جوهرية وقرارات سياسية جريئة لتجاوز عقلية المعارك الصفرية والاتجاه نحو حلول واقعية تنهي معاناة المدنيين وتؤسس لمرحلة إعادة الإعمار.



