استطلاع: تأييد ألماني واسع لفرض قواعد “صنع في أوروبا” الصناعية

كشف استطلاع حديث للرأي عن تحول ملحوظ في المزاج العام الألماني تجاه السياسات الاقتصادية، حيث أيدت غالبية ساحقة فرض قواعد أوروبية صارمة على الإنتاج الصناعي، في خطوة تعكس المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل الصناعة في القارة العجوز.
نتائج الاستطلاع: دعم واسع لتوطين الصناعة
في الاستطلاع الذي أجري بتكليف من نقابة «آي جي ميتال» (IG Metall) الألمانية، وهي أكبر نقابة للعاملين في قطاع المعادن والإنتاج الصناعي في أوروبا، وافق 70% من المشاركين على ضرورة إلزام الشركات التي تبيع منتجاتها في السوق الأوروبية بتوطين جزء من إنتاجها داخل دول الاتحاد الأوروبي. تأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه الصناعة الأوروبية تحديات وجودية غير مسبوقة.
سياق عالمي متوتر: بين المنافسة الصينية والدعم الأمريكي
لا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن السياق الاقتصادي العالمي الحالي. تعيش أوروبا حالة من القلق المتزايد جراء المنافسة الشرسة مع الصين، التي تدعم صناعاتها بقوة، والولايات المتحدة التي أقرت «قانون خفض التضخم» (IRA) لجذب الاستثمارات الصناعية عبر حوافز ضريبية ضخمة. هذا الواقع دفع المواطن الألماني، الذي طالما كان داعماً للتجارة الحرة، إلى الميل نحو السياسات الحمائية لضمان بقاء القاعدة الصناعية القوية التي يعتمد عليها الاقتصاد الألماني.
قانون المسرع الصناعي والجدل السياسي
تتزامن هذه المطالب الشعبية مع تحركات رسمية في بروكسل، حيث تتضمن مسودة ما يعرف بـ «قانون المسرع الصناعي»، الذي تعتزم المفوضية الأوروبية تقديمه قريباً، قواعد تتماشى مع هذه التوجهات. ووفقاً لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، فإن هذا القانون يهدف إلى تسريع وتيرة التصنيع داخل التكتل.
ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خلافات سياسية. فقد برزت تباينات واضحة بشأن مدى صرامة هذه اللوائح. وفي هذا السياق، انتقد فريدريش ميرتس (زعيم المعارضة ورئيس الحزب المسيحي الديمقراطي) مقترحات فرنسية واسعة النطاق تهدف لفرض مبدأ «صنع في أوروبا»، والذي يقضي بمنح مزودي الخدمات الأوروبيين أفضلية في الاستثمارات العامة. وطالب ميرتس بأن تقتصر مثل هذه القواعد الحمائية على القطاعات الحيوية والإستراتيجية فقط، وألا تُستخدم إلا كملاذ أخير لتجنب إشعال حروب تجارية.
شروط صارمة للدعم الحكومي
أظهر الاستطلاع وعياً عالياً لدى الجمهور الألماني بآليات الدعم المالي، حيث أيد 90% من المشاركين فكرة أن تقدم الدولة دعماً للشركات فقط في حال ضمنت هذه الشركات بقاء الإنتاج والوظائف داخل أوروبا. كما رأى 83% أن العقود العامة والمناقصات الحكومية ينبغي أن تُمنح حصرياً للشركات التي تضمن وظائف آمنة ومستدامة داخل الاتحاد الأوروبي.
حماية أموال دافعي الضرائب
وتعليقاً على هذه النتائج، قال يورجن كيرنر، الرئيس الثاني لنقابة «آي جي ميتال»: «عندما تنفق السياسة أموال دافعي الضرائب، يجب أن يعزز ذلك موقع أوروبا الصناعي ويؤمن الوظائف هنا لدينا». وأضاف كيرنر موضحاً الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه، مشيراً إلى أن الإنتاج المحلي هو الرد المنطقي والضروري على عالم باتت تحدده الرسوم الجمركية وإجراءات الدعم الحكومي والممارسات التجارية غير العادلة، وهي ممارسات تتسبب يومياً في تآكل القاعدة الصناعية وفقدان الوظائف في أوروبا.
التأثير المتوقع
من المتوقع أن تزيد هذه النتائج من الضغط على الحكومة الألمانية والمفوضية الأوروبية لتبني سياسات أكثر حزماً في مواجهة الإغراق التجاري، مما قد يعيد رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية ويعزز مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصناعات الثقيلة.



