
أزمة المياه العالمية: 2.1 مليار بلا مياه وحلول مبتكرة
على مر التاريخ، كانت المياه العذبة المهد الأول الذي قامت عليه أعظم الحضارات الإنسانية، حيث ارتبط الاستقرار والتنمية بوفرة الموارد المائية. إلا أن المشهد العالمي اليوم يشهد تحولاً جذرياً؛ فالتوعية بأهمية المياه العذبة كشريان للحياة لم تعد مجرد خيار، بل باتت ضرورة قصوى لمواجهة أزمة الشح المائي العالمية. هذه الأزمة الخانقة تحرم نحو 2.1 مليار شخص حول العالم من خدمات مياه الشرب الآمنة، مما يفرض على المجتمع الدولي تسليط الضوء على حتمية الإدارة المستدامة للموارد المائية، والبحث عن حلول تقنية مبتكرة تضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة.
الباحثة بكلية علوم البحار بجامعة الملك عبدالعزيز، نجود الحربي
تأثير التغير المناخي وزيادة معدلات التبخر
وفي سياق متصل، أوضحت الباحثة بكلية علوم البحار بجامعة الملك عبدالعزيز، نجود الحربي، بمناسبة اليوم العالمي للمياه، أن استدامة الموارد المائية تواجه تحدياً جوهرياً يتمثل في اختلال الدورة المائية نتيجة التغيرات المناخية المتسارعة. وأشارت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة عالمياً يؤدي إلى زيادة التبخر واضطراب أنماط الهطول؛ فتشتد الأمطار في فترات قصيرة وتقابلها فترات جفاف أطول، فضلاً عن تأثير ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر الذي يساهم في تقليص مخزون المياه العذبة.
ويتفاقم هذا الوضع مع تزايد مخاطر الفيضانات والجفاف واشتداد الظواهر المناخية المتطرفة، وفقاً لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC). هذا الخطر البيئي يهدد الأمن الغذائي والصحي، مما جعل “الأمن المائي” محوراً أساسياً ضمن أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة.
التحديات المحلية والاعتماد على مصادر مكلفة

على الصعيد الإقليمي والمحلي، تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم جفافاً. وتبرز التحديات بوضوح في المملكة العربية السعودية بسبب محدودية الموارد المائية المتجددة، والاستنزاف المتسارع للمياه الجوفية. ونتيجة لذلك، تعتمد المملكة بشكل كبير على تحلية المياه، والتي تشكل نحو 60% من الإمدادات المدنية. ورغم ريادة المملكة في هذا المجال، إلا أن هذه العمليات ترتبط بتكاليف مرتفعة للطاقة والنقل، ولها أثر بيئي ملحوظ.
وترى الحربي أن هذه التحديات تتضاعف في القطاع الزراعي؛ حيث تؤدي الحرارة المرتفعة والرياح الجافة إلى زيادة معدلات التبخر ونتح النباتات، مما يرفع الاحتياجات المائية للمحاصيل ويزيد الضغط على الموارد المائية، ويدفع نحو الاعتماد على مصادر قد تكون مكلفة وغير مستدامة على المدى الطويل.
ثورة التقنيات الحديثة: استخلاص المياه من الهواء
لمواجهة هذه التحديات، استعرضت الباحثة دور التقنيات الحديثة والابتكارات في مجالات تحلية المياه وإعادة تدويرها. من أبرز هذه التطورات تقنيات التناضح العكسي (RO) والأغشية المتطورة التي ترفع كفاءة الفصل وتخفض استهلاك الطاقة. كما تُستخدم تقنيات التحفيز الضوئي (Photocatalysis) باستخدام المواد النانوية لمعالجة الملوثات العضوية بالاعتماد على الطاقة الشمسية.
ومن الابتكارات الثورية التي تلوح في الأفق، تبرز المواد المسامية المتقدمة (MOFs) التي طورها العالم البارز البروفيسور عمر ياغي. تتيح هذه التقنية استخلاص المياه من الهواء مباشرة، حتى في البيئات الجافة، مع إمكانية إنتاج كميات تصل إلى نحو 1000 لتر يومياً دون الحاجة للكهرباء، مما يمثل طوق نجاة للمناطق النائية والقاحلة.
تقنيات الزراعة الذكية وتكامل الماء والطاقة

تتجه الابتكارات أيضاً نحو تعظيم الاستفادة من الرجيع الملحي (Brine) واستخلاص المعادن منه. وفي مجال الزراعة الذكية المستدامة، طوّرت شركة تيراكسي (Terraxy) مواد مبتكرة مثل “CarboSoil” الذي يعزز السعة المائية للتربة، و”SandX” وهي طبقة تغطية تقلل الفقد بالتبخر بنسبة تصل إلى 80% باستخدام حبيبات رملية مكسوة بطبقة قابلة للتحلل الحيوي.
وفي إطار تكامل الماء والطاقة، يبرز “الهيدروجين الأخضر” كحل استراتيجي لإزالة الكربون في قطاع التحلية، وهو ما يتماشى مع توجهات رؤية السعودية 2030 لاعتماده بديلاً للطاقة التقليدية. وتشير التوقعات إلى أن الطلب على الهيدروجين قد يصل إلى 21% من استهلاك الطاقة العالمي بحلول 2050.
ثقافة ترشيد الاستهلاك: مسؤولية دينية ومجتمعية
اختتمت الحربي حديثها بالتأكيد على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل يجب تعزيز ثقافة ترشيد استهلاك المياه. يبدأ ذلك بنشر الوعي بأهميتها وندرتها، وتبني سلوكيات يومية واعية مثل إصلاح التسربات واستخدام الأدوات الموفرة. ويزداد أثر هذا التوجه عند ربطه بالقيم الدينية؛ إذ يدعو الإسلام إلى حفظ النعم وعدم الإسراف، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا}، وقول النبي ﷺ: “لا تُسرف في الماء ولو كنت على نهرٍ جارٍ”.
إن الحفاظ على المياه مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وخاصة دور الأم في غرس هذه القيم في نفوس الأبناء، وتمتد لتشمل المؤسسات التعليمية والبحثية، وصولاً إلى التشريعات الحكومية الصارمة التي تمنع تلوث المياه وتدهور النظم البيئية، لضمان استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.



