العالم العربي

العلاقات المصرية السورية: آفاق التقارب ودور القاهرة الإقليمي

شهدت العلاقات المصرية السورية في الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً، أعاد إلى الأذهان عقوداً من التحالفات والتوترات التي طبعت تاريخ البلدين. فبعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية التي فرضتها تداعيات الأزمة السورية عام 2011، بدأت القاهرة ودمشق خطوات حذرة ومدروسة نحو إعادة تطبيع العلاقات، وهو مسار تراقبه الأوساط الإقليمية والدولية باهتمام بالغ، نظراً للوزن الاستراتيجي الذي يمثله البلدان في العالم العربي.

خلفية تاريخية وسياق عام

تمثل العلاقات بين مصر وسوريا حجر زاوية في تاريخ التفاعلات العربية المعاصرة. فمن تجربة الوحدة في “الجمهورية العربية المتحدة” (1958-1961) إلى التنسيق العسكري في حرب أكتوبر 1973، شكل البلدان محوراً أساسياً في السياسة الإقليمية. إلا أن هذه العلاقة شهدت فترات من التباعد، أبرزها بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد. ومع اندلاع الأزمة السورية، اتخذت مصر موقفاً متوافقاً مع الإجماع العربي آنذاك، مما أدى إلى تجميد العلاقات الدبلوماسية وسحب السفراء، لتدخل العلاقة في مرحلة من الجمود استمرت قرابة عقد من الزمان.

مؤشرات التقارب الحديثة

بدأت بوادر التغيير في الموقف المصري تظهر بشكل تدريجي، حيث حافظت القاهرة على موقف ثابت يدعو إلى الحفاظ على وحدة الدولة السورية ومؤسساتها الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية. وشكلت “دبلوماسية الكوارث” عقب الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا في فبراير 2023 نقطة تحول مفصلية، حيث سارعت مصر بإرسال مساعدات إنسانية ضخمة، وأجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً هو الأول من نوعه مع الرئيس السوري بشار الأسد. تبع ذلك زيارة تاريخية لوزير الخارجية المصري سامح شكري إلى دمشق، والتي كانت بمثابة أقوى إشارة سياسية على عزم القاهرة طي صفحة الماضي وفتح قناة حوار مباشر مع القيادة السورية.

الأهمية والتأثير المتوقع

يحمل التقارب المصري السوري في طياته أبعاداً استراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية. فعلى الصعيد الإقليمي، لعبت مصر دوراً محورياً في حشد الدعم العربي لعودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، وهو ما تم بالفعل في قمة جدة 2023. ترى القاهرة أن عودة دمشق إلى الحضن العربي أمر ضروري لتحقيق التوازن الإقليمي، ومواجهة التحديات المشتركة كالإرهاب، والحد من نفوذ القوى الإقليمية غير العربية في الساحة السورية. أما على الصعيد الدولي، فإن الموقف المصري يمثل دعماً لمسار الحل السياسي “العربي” للأزمة السورية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية، ويؤكد على مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها. إن انخراط مصر، بثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية، قد يساهم في إيجاد أرضية مشتركة لتسوية سياسية شاملة ومستدامة في سوريا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى