
التعاون العسكري بين مصر والكونغو: شراكة لأمن واستقرار المنطقة
في خطوة تعكس عمق العلاقات وتنامي الدور المصري في القارة الأفريقية، تتجه القاهرة وكينشاسا نحو مرحلة جديدة من الشراكة، حيث يشهد التعاون العسكري بين مصر والكونغو الديمقراطية تطوراً ملحوظاً. يأتي هذا التقارب في وقت حاسم تمر به المنطقة بالعديد من التحديات الأمنية والسياسية، مما يضع هذه الشراكة في قلب استراتيجيات الحفاظ على الاستقرار الإقليمي وتحقيق المصالح المشتركة للبلدين.
جذور الشراكة: أبعاد تاريخية ودوافع مشتركة
لم تكن العلاقات المصرية الكونغولية وليدة اللحظة، بل تمتد لجذور تاريخية من الدعم المتبادل والتنسيق في المحافل الأفريقية. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت زخماً متزايداً، توّج بتوقيع اتفاقية للتعاون العسكري في مارس 2021 خلال زيارة تاريخية لرئيس الأركان المصري الفريق محمد فريد إلى كينشاسا. شكلت هذه الاتفاقية الإطار الرسمي الذي مهد الطريق لنقل الخبرات المصرية في مجالات التدريب والتأهيل والتصنيع العسكري إلى القوات المسلحة الكونغولية (FARDC)، التي تواجه تحديات أمنية معقدة، خاصة في مناطقها الشرقية التي تعاني من نشاط الجماعات المسلحة.
تستند هذه الشراكة إلى دوافع استراتيجية واضحة؛ فمن جانبها، تسعى مصر لتعزيز حضورها كقوة إقليمية فاعلة في أفريقيا، وبناء تحالفات قوية مع دول حوض النيل لضمان أمنها المائي ومصالحها الحيوية. ومن جانبها، ترى الكونغو الديمقراطية في مصر شريكاً موثوقاً قادراً على دعم جهودها في بناء جيش وطني قوي وحديث، قادر على فرض سيادة الدولة وحماية مواردها الطبيعية الهائلة.
أهمية التعاون العسكري بين مصر والكونغو في ظل المتغيرات
تكتسب هذه الشراكة أهمية مضاعفة في سياق التوترات الإقليمية، وعلى رأسها قضية سد النهضة الإثيوبي. فمصر والكونغو الديمقراطية، كدولتين في حوض النيل، تتشاركان الاهتمام بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد. وقد لعبت الكونغو الديمقراطية، خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي، دوراً محورياً في محاولات الوساطة، مما يجعل التنسيق الأمني والعسكري معها ورقة استراتيجية هامة للقاهرة. إن تعزيز القدرات العسكرية للكونغو يساهم في خلق توازن للقوى في منطقة البحيرات العظمى وأفريقيا الوسطى، وهي منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة.
آفاق مستقبلية: من التدريب إلى الأمن السيبراني
يتوقع أن يتوسع التعاون ليشمل مجالات أكثر تقدماً، مثل التدريب على عمليات مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتأمين الحدود، وربما يمتد إلى التعاون في مجال الأمن السيبراني. كما أن إمكانية إجراء تدريبات عسكرية مشتركة، على غرار مناورات “حماة النيل” التي أجرتها مصر مع السودان، تعد احتمالاً وارداً يعزز من التوافق العملياتي بين الجيشين. في المحصلة، يمثل هذا التعاون نموذجاً للشراكة الأفريقية-الأفريقية القائمة على المصالح المتبادلة والاحترام السيادي، ويفتح الباب لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً لكلا البلدين والمنطقة بأسرها.



