المظالم يلزم جهة حكومية بعلاج وافد مخالف: تفاصيل الحكم

أرست المحاكم الإدارية في المملكة العربية السعودية مبدأً قضائياً وإنسانياً هاماً، حيث ألزم ديوان المظالم جهة حكومية بسداد المستحقات المالية لمستشفى خاص نظير تكاليف علاج وافد «مخالف لنظام الإقامة» استقبلته كحالة طارئة وتوفي لاحقاً. وأكد الحكم على مسؤولية الدولة الدستورية والأخلاقية عن ضمان الرعاية الصحية لجميع المتواجدين على أراضيها في الحالات التي تهدد الحياة، دون النظر إلى وضعهم النظامي، في خطوة تعزز من حماية الحقوق في القطاع الصحي.
تفاصيل الواقعة والنزاع القضائي
تعود حيثيات القضية إلى استقبال مستشفى خاص لوافد كان يعاني من حالة صحية حرجة للغاية استوجبت التدخل الطبي العاجل لإنقاذ حياته. والتزاماً بالأنظمة التي تفرض على المنشآت الصحية مباشرة حالات الطوارئ فوراً وعدم رفضها، قدم المستشفى كافة الخدمات العلاجية اللازمة. ورغم محاولات المستشفى التواصل مع الجهات المعنية لنقل المريض لمستشفى حكومي، إلا أن تدهور حالته ووفاته حال دون ذلك.
عند مطالبة المستشفى بمستحقاته، رفضت الجهة الحكومية السداد بحجة أن المريض مقيم بصفة غير نظامية، معتبرة أن مخالفته تسقط حقه في التغطية العلاجية، وهو ما دفع المستشفى للجوء إلى القضاء الإداري لإنصافها واسترداد تكاليف العلاج.
حيثيات الحكم: الإنسان أولاً
رفضت الدائرة القضائية في ديوان المظالم دفوع الجهة الحكومية، مؤكدة في حكمها النهائي أن الأنظمة الصحية في المملكة وُضعت لغاية سامية هي «حفظ النفس»، وهي إحدى الضرورات الخمس. وأوضحت المحكمة أن وجود قصور في اللوائح التنظيمية بشأن آلية الدفع لمخالفي الإقامة لا يعفي الدولة من مسؤولياتها، ولا يجب أن يتحمل القطاع الخاص تبعات هذا الفراغ التنظيمي طالما قام بواجبه المهني.
السياق القانوني والإنساني للمملكة
يأتي هذا الحكم متسقاً مع النظام الأساسي للحكم في المملكة العربية السعودية، وتحديداً المادة (31) التي تنص على عناية الدولة بالصحة العامة وتوفير الرعاية الصحية. ويعكس هذا التوجه السياسة الثابتة للمملكة في التعامل مع الجوانب الإنسانية، والتي تجلت بوضوح خلال جائحة كورونا حين أمر خادم الحرمين الشريفين بعلاج جميع المصابين، بمن فيهم مخالفو نظام الإقامة، مجاناً ودون أي تبعات قانونية، مما يرسخ مبدأ أن الصحة حق مكفول للإنسان بغض النظر عن وضعه القانوني.
الأبعاد الاقتصادية والتنظيمية للحكم
يحمل هذا الحكم أبعاداً اقتصادية هامة للقطاع الصحي الخاص؛ إذ يعزز الثقة لدى المستثمرين في هذا القطاع بأن حقوقهم المالية محفوظة بقوة القضاء، وأن قيامهم بالواجب الإنساني والوطني في علاج الحالات الطارئة لن يعرضهم لخسائر مادية. كما يُتوقع أن يدفع هذا الحكم الجهات التشريعية والتنفيذية لسد الفجوات التنظيمية ووضع آليات واضحة ومكتوبة لتسوية المطالبات المالية المتعلقة بعلاج الحالات المماثلة مستقبلاً، مما يضمن انسيابية العمل بين القطاعين العام والخاص.



