Arab world

الحوثيون وتغيير الهوية اليمنية: حقائق عن المناهج والتطييف

تشهد المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن تحركات متسارعة ومكثفة تهدف إلى إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع اليمني وهويته الوطنية، وذلك من خلال فرض صبغة طائفية أحادية على مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة. وتأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية طويلة الأمد بدأت ملامحها تتضح بشكل أكبر مع إحكام الجماعة قبضتها على مؤسسات الدولة في صنعاء.

استهداف قطاع التعليم والمناهج الدراسية

يعد قطاع التعليم الركيزة الأساسية التي يركز عليها الحوثيون في مشروعهم لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. فمنذ سيطرتهم على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، عملت الجماعة بشكل منهجي على تعديل المناهج الدراسية في المدارس والجامعات. شملت هذه التعديلات حذف دروس تتعلق بالرموز الوطنية وتاريخ الثورة اليمنية (26 سبتمبر و14 أكتوبر)، واستبدالها بمحتوى يمجّد قادة الجماعة ويرسخ أفكار “الولاية” و”الاصطفاء”، وهي مفاهيم تثير جدلاً واسعاً وتعارضاً مع الهوية الجمهورية لليمن.

المراكز الصيفية والتعبئة الفكرية

بالتوازي مع التعليم النظامي، كثفت الجماعة من أنشطة “المراكز الصيفية” التي تستهدف مئات الآلاف من الأطفال والشباب. وتُشير تقارير حقوقية ومحلية إلى أن هذه المراكز لا تقتصر على الأنشطة الترفيهية، بل تتحول إلى معسكرات للتعبئة الفكرية والعسكرية، حيث يتم تلقين المشاركين أدبيات الجماعة وشعاراتها، مما يثير مخاوف حقيقية لدى المنظمات الدولية والمجتمع المحلي من عسكرة الطفولة وخلق جيل مفخخ بالأفكار المتطرفة.

السياق التاريخي وتجريف الهوية

تأتي هذه الممارسات في سياق الصراع المستمر منذ سنوات، حيث يسعى الحوثيون لترسيخ نفوذهم ليس فقط عسكرياً، بل ثقافياً واجتماعياً. تاريخياً، تميز المجتمع اليمني بالتنوع والتعايش بين المذاهب المختلفة (الشافعية والزيدية)، إلا أن السياسات الحالية تعمل على تعميق الفجوة الطائفية. وقد شملت الحملات أيضاً فرض قيود على المساجد، وتغيير أئمة وخطباء المساجد بآخرين موالين للجماعة، بالإضافة إلى فرض طقوس دينية دخيلة على المجتمع اليمني في المناسبات الدينية المختلفة.

التداعيات والمخاطر المستقبلية

يحذر مراقبون وخبراء اجتماع من أن استمرار هذه الحملات يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي اليمني بشكل لا رجعة فيه. فعمليات التطييف الممنهجة قد تؤدي إلى خلق كانتونات طائفية معزولة، مما يعقد فرص تحقيق السلام المستدام والمصالحة الوطنية في المستقبل. إن تحويل الصراع السياسي إلى صراع هوياتي وعقائدي يعد من أخطر التحديات التي تواجه اليمن، حيث يتجاوز تأثيره الدمار العمراني والاقتصادي ليضرب في عمق الشخصية اليمنية وتماسكها الاجتماعي.

Related articles

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Go to top button