صحة و جمال

كاوست تبتكر لصقة قابلة للارتداء لمراقبة الأدوية بدقة عالية

في إنجاز علمي بارز، نجح فريق من الباحثين في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في تطوير لصقة قابلة للارتداء لمراقبة الأدوية داخل الجسم بشكل مستمر ودقيق. هذا الابتكار، الذي يجمع بين الهندسة الحيوية والإلكترونيات الدقيقة، يمثل نقلة نوعية في مجال الرعاية الصحية، حيث يوفر وسيلة غير مؤلمة للحصول على بيانات حيوية لحظة بلحظة، ونقلها لاسلكيًا إلى هاتف ذكي، مما يمهد الطريق لعصر جديد من الطب الشخصي فائق الدقة.

ثورة في عالم الرعاية الصحية الشخصية

شهد العقد الماضي طفرة هائلة في التقنيات القابلة للارتداء، والتي بدأت بتتبع الخطوات والنشاط البدني ومعدل ضربات القلب. لكن هذا التطور الجديد من كاوست ينقل المفهوم إلى مستوى متقدم تمامًا. فبدلًا من الاقتصار على المؤشرات الحيوية العامة، تغوص هذه اللصقة الذكية في عمق الجسم لمراقبة كيفية تفاعله مع العلاجات الدوائية. تقليديًا، كانت مراقبة مستويات الأدوية تتطلب إجراءات مزعجة ومؤلمة مثل سحب عينات الدم بشكل دوري، والتي لا تقدم سوى صورة لحظية ومحدودة، فضلًا عن الوقت الذي تستغرقه التحاليل المخبرية. أما هذه التقنية الجديدة، فتعد بتقديم صورة بانورامية ومستمرة، مما يسمح للأطباء بفهم أعمق لحركية الدواء داخل جسم كل مريض على حدة.

آلية عمل اللصقة الذكية لمراقبة الأدوية

يعتمد هذا النظام المتكامل، الذي نُشرت تفاصيله في المجلة العلمية المرموقة “Device”، على لصقة مرنة ومزودة بمصفوفة من الإبر المجهرية (microneedles) التي تخترق الطبقة السطحية من الجلد دون ألم للوصول إلى السائل الخلالي، وهو السائل الغني بالمعلومات الذي يحيط بالخلايا. تقوم مستشعرات كهروكيميائية حيوية دقيقة بقياس تركيز الدواء المستهدف باستمرار. يتم بعد ذلك معالجة هذه البيانات بواسطة إلكترونيات مصغّرة مدمجة في اللصقة نفسها، وإرسالها عبر تقنية البلوتوث إلى تطبيق على الهاتف الذكي. يجمع هذا الجهاز، الذي لا يتجاوز وزنه 6.7 غرامات، بين تقنية الاستشعار المتقدمة والاتصال اللاسلكي في منصة واحدة سهلة الاستخدام.

تأثير محتمل يغير قواعد اللعبة

تكمن أهمية هذا الابتكار في قدرته على تحقيق “الطب الشخصي” بمعناه الحقيقي. فالاستجابة للأدوية تختلف بشكل كبير من شخص لآخر بناءً على عوامل وراثية وعمرية وصحية. من خلال المراقبة المستمرة، يمكن للأطباء تعديل الجرعات بدقة متناهية لتناسب كل مريض، مما يزيد من فعالية العلاج ويقلل من مخاطر الآثار الجانبية السامة. على المستوى المحلي، يعزز هذا الإنجاز مكانة المملكة العربية السعودية كمركز رائد للابتكار والبحث العلمي، متماشيًا مع أهداف رؤية 2030 لتطوير قطاع الرعاية الصحية. أما عالميًا، فيمكن لهذه التقنية أن تحدث ثورة في علاج العديد من الأمراض التي تتطلب جرعات دقيقة، مثل العدوى البكتيرية الخطيرة، وأمراض السرطان، وعلاجات ما بعد زراعة الأعضاء.

من المختبر إلى التطبيق السريري

أثبت الباحثون فعالية التقنية باستخدام مضاد حيوي شائع يُدعى “الفانكوميسين”، والذي يتطلب الحفاظ على تركيزه ضمن نطاق علاجي ضيق لضمان فعاليته وسلامته. وقد نجحت التجارب ما قبل السريرية في تتبع التغيرات في تركيز الدواء بدقة على مدى عدة ساعات. ويقول البروفيسور خالد نبيل سلامة، الباحث الرئيس في الدراسة، إن “التقنيات القابلة للارتداء غيرت طريقة تتبعنا للصحة، وهذا البحث يوضح كيف يمكنها أيضًا مساعدتنا في فهم سلوك الأدوية داخل الجسم”. وعلى الرغم من أن التقنية لا تزال في مراحلها المبكرة وتحتاج إلى مزيد من التحقق السريري، إلا أنها تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر تخصيصًا وفعالية في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى