العالم العربي

العام الدراسي في مناطق الحوثيين: بين التعبئة والتجنيد

مع قرع أجراس العودة إلى المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي في اليمن، تتجدد المخاوف العميقة لدى الأسر والمنظمات الحقوقية من أن يكون العام الدراسي في مناطق الحوثيين فصلاً جديداً في استغلال التعليم لأغراض التعبئة العقائدية والتجنيد. يأتي هذا العام الدراسي الجديد استكمالاً لنهج بدأته الجماعة منذ سنوات، حيث تحولت المدارس من منارات للعلم إلى منصات لنشر الأفكار المتطرفة وتجنيد الأطفال والشباب للدفع بهم إلى جبهات القتال، مما يهدد مستقبل جيل بأكمله ويزيد من تعقيدات الأزمة الإنسانية في البلاد.

العام الدراسي في مناطق الحوثيين: أداة للتعبئة العقائدية

منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من اليمن في عام 2014، عملت بشكل ممنهج على تغيير بنية النظام التعليمي ليتوافق مع أيديولوجيتها. لم يقتصر الأمر على السيطرة الإدارية على وزارة التربية والتعليم، بل امتد إلى إحداث تغييرات جذرية في المناهج الدراسية. تم حذف أو تعديل مواد التاريخ والتربية الدينية والوطنية، واستبدالها بمحتوى يمجد الحرب، ويعزز الشعارات الطائفية للجماعة، ويصور قادتها كشخصيات مقدسة. أصبحت الفصول الدراسية ساحات للترويج لـ “ثقافة الموت” بدلاً من ثقافة الحياة، حيث يتم تعليم الأطفال أناشيد حماسية وشعارات سياسية مثل “الصرخة”، مما يحول العملية التعليمية إلى عملية غسيل دماغ منظمة.

من الفصول الدراسية إلى جبهات القتال

تعتبر المدارس والمخيمات الصيفية التي تسبق العام الدراسي المصدر الرئيسي لتجنيد الأطفال لدى الحوثيين. وثقت تقارير عديدة صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، آلاف الحالات لتجنيد أطفال دون سن 18 عاماً، وكثير منهم تم استقطابهم مباشرة من المدارس. تستغل الجماعة الظروف الاقتصادية المتردية للأسر، فتقدم إغراءات مالية أو سلالاً غذائية مقابل إرسال أبنائهم إلى المعسكرات التدريبية ومن ثم إلى جبهات القتال. هذا الاستغلال المنهجي للأطفال لا يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني فحسب، بل يسرق من هؤلاء الأطفال طفولتهم ويعرضهم لصدمات نفسية وجسدية لا تُمحى.

تداعيات كارثية ومستقبل غامض للطفولة

إن التأثير المدمر لهذه الممارسات يتجاوز الفرد ليصل إلى المجتمع ككل. لقد أدى تسليح التعليم إلى انهيار شبه كامل للمنظومة التعليمية في مناطق سيطرة الحوثيين. فملايين الأطفال باتوا خارج المدارس، إما بسبب النزوح أو الفقر أو خوف الأهالي على أبنائهم من التجنيد. كما يعاني المعلمون من انقطاع رواتبهم لسنوات، مما دفع الكثير منهم إلى ترك مهنة التدريس والبحث عن مصادر رزق أخرى. هذه العوامل مجتمعة تنذر بكارثة تعليمية ستكون لها عواقب وخيمة على المدى الطويل، حيث ينشأ جيل يفتقر إلى المهارات الأساسية، ومشبع بأفكار العنف والكراهية، مما يجعل أي جهود مستقبلية لتحقيق السلام والمصالحة الوطنية في اليمن أمراً بالغ الصعوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى