
أزمة تمويل بعثة حفظ السلام في الصومال ومستقبل الأمن الإقليمي
تواجه بعثة حفظ السلام في الصومال (ATMIS)، التي تقودها قوات الاتحاد الأفريقي، تحدياً وجودياً قد يعصف بالتقدم الأمني الهش الذي تم إحرازه على مدى سنوات طويلة. فمع تزايد الحديث عن أزمة تمويل حادة، يقف مستقبل الاستقرار في الصومال والقرن الأفريقي بأكمله على المحك، وتبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة قد تحدد مسار الأحداث في الفترة القادمة.
تأتي هذه الأزمة في وقت حرج، حيث كان من المقرر أن تستكمل البعثة عملية تسليم المسؤوليات الأمنية بشكل كامل إلى القوات الصومالية بحلول نهاية عام 2024. إلا أن نقص التمويل يهدد بتعطيل هذه الخطة، مما يثير مخاوف جدية من حدوث فراغ أمني قد تستغله حركة “الشباب” المتطرفة لإعادة تجميع صفوفها وتوسيع نفوذها.
جذور الأزمة: دور تاريخي وتحديات مستمرة
لم تكن جهود حفظ السلام في الصومال وليدة اللحظة. فقد بدأت مع نشر بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM) عام 2007، والتي لعبت دوراً محورياً في طرد حركة الشباب من العاصمة مقديشو والعديد من المدن الرئيسية الأخرى. على مدار أكثر من عقد، قدمت البعثة تضحيات جسيمة ونجحت في توفير مظلة أمنية سمحت بنمو مؤسسات الدولة الصومالية الفيدرالية. وفي عام 2022، تحولت البعثة إلى (ATMIS) بمهام جديدة تركز على الانتقال التدريجي للمسؤوليات الأمنية. يعتمد تمويل هذه البعثة بشكل كبير على الشركاء الدوليين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وأي تذبذب في هذا الدعم المالي ينعكس مباشرة على قدرتها التشغيلية على الأرض.
تحديات تمويل بعثة حفظ السلام في الصومال
تتعدد أسباب أزمة التمويل الحالية، فإلى جانب “إرهاق المانحين” بعد سنوات طويلة من الدعم، ساهمت الأزمات العالمية المتلاحقة، مثل الحرب في أوكرانيا، في تحويل جزء من الاهتمام والموارد الدولية بعيداً عن الصومال. هذا النقص في الموارد لا يؤثر فقط على رواتب الجنود والمعدات العسكرية، بل يمتد ليشمل القدرة على تنفيذ عمليات هجومية استباقية ضد معاقل المتطرفين وتأمين الطرق الرئيسية وحماية المدنيين، مما يضع القوات الصومالية أمام اختبار صعب قد لا تكون مستعدة له بالكامل بعد.
مستقبل غامض: ثلاثة مسارات محتملة
في ظل هذا الواقع المعقد، يمكن تلخيص المستقبل القريب في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- الانسحاب المتسارع: قد يجبر نقص التمويل بعثة (ATMIS) على تسريع جدولها الزمني للانسحاب، مما يترك القوات الوطنية الصومالية في مواجهة مباشرة مع حركة “الشباب” قبل اكتمال جاهزيتها. هذا السيناريو هو الأكثر خطورة، حيث قد يؤدي إلى انهيار أمني وانتكاسة كبيرة في الحرب ضد الإرهاب.
- تقليص العمليات والبقاء الشكلي: يتمثل هذا السيناريو في بقاء البعثة على الأرض ولكن بقدرات تشغيلية محدودة للغاية، حيث تركز على حماية قواعدها ومقراتها فقط دون القدرة على شن عمليات فعالة. ورغم أنه يمنع حدوث فراغ أمني كامل، إلا أنه سيمنح المتطرفين حرية حركة أكبر في المناطق الريفية.
- تدخل دولي لسد الفجوة: يبقى الأمل معقوداً على تحرك عاجل من الشركاء الدوليين لتوفير تمويل طارئ يضمن استمرارية عمل البعثة حتى نهاية الفترة الانتقالية. هذا الحل، وإن كان مؤقتاً، سيمنح الصومال وقواته الأمنية وقتاً ثميناً لتعزيز قدراتهم واستكمال الاستعدادات لتولي المسؤولية الأمنية بشكل كامل ومستدام.
إن ما يحدث اليوم لا يمثل مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو مفترق طرق حقيقي سيحدد ما إذا كان الصومال سيمضي قدماً نحو الاستقرار أم سيعود إلى دوامة العنف والفوضى.



