
ظاهرة التأخر الحراري: تفسير علمي لارتفاع حرارة يوليو
أوضح الدكتور عبدالله المسند، نائب رئيس جمعية الطقس والمناخ السعودية، أن وصول درجات الحرارة إلى ذروتها في منطقة الشرق الأوسط خلال شهر يوليو يُعزى بشكل أساسي إلى ظاهرة التأخر الحراري. وتتزامن هذه الظاهرة مع استمرار قوة الإشعاع الشمسي وطول ساعات النهار، مما يخلق ظروفًا مناخية شديدة الحرارة تفسر سبب كون يوليو الشهر الأكثر سخونة في العام على الرغم من أن ذروة الإشعاع الشمسي تكون في يونيو.
ما هي ظاهرة التأخر الحراري وكيف تعمل؟
لفهم هذه الظاهرة، يجب النظر إلى طبيعة امتصاص الأرض وفقدانها للحرارة. ففي 21 يونيو من كل عام، يحدث الانقلاب الصيفي، وهو اليوم الذي يشهد أطول نهار وأقصر ليل، وتكون فيه أشعة الشمس هي الأكثر مباشرة على نصف الكرة الشمالي. ورغم أن هذا اليوم يستقبل أكبر كمية من الطاقة الشمسية، إلا أنه ليس اليوم الأكثر حرارة في السنة. السبب يكمن في أن سطح اليابسة والمسطحات المائية يحتاج إلى وقت لامتصاص هذه الطاقة وتخزينها ثم إعادة إشعاعها في الغلاف الجوي.
أشار المسند، أستاذ المناخ بجامعة القصيم سابقًا، إلى أن سطح اليابسة يستغرق عدة أسابيع لتخزين الحرارة بعد تعامد الشمس على مدار السرطان. هذا التراكم الحراري التدريجي هو ما يفسر وصول درجات الحرارة إلى مستوياتها القصوى لاحقًا في شهر يوليو، وأحيانًا في أوائل أغسطس. يمكن تشبيه الأمر بتسخين وعاء من الماء؛ فهو لا يصل إلى درجة الغليان فور تشغيل الموقد، بل يحتاج إلى وقت لتتراكم فيه الطاقة الحرارية.
دور المرتفع الجوي في تعزيز موجات الحر
يضيف المسند عاملاً جوهريًا آخر يزيد من شدة الحرارة، وهو سيطرة المرتفع الجوي شبه المداري العلوي على أجواء المنطقة. يعمل هذا النظام الجوي كـ “قبة حرارية”، حيث يهيئ كتلًا هوائية شديدة الجفاف والحرارة تهيمن على معظم المناطق. هذه الكتل الهوائية الهابطة من طبقات الجو العليا تتعرض للانضغاط، مما يرفع درجة حرارتها بشكل كبير ويمنع تكون السحب وهطول الأمطار. غياب السحب يسمح بدوره بوصول المزيد من الإشعاع الشمسي إلى السطح، مما يخلق حلقة مفرغة من التسخين المستمر.
واستشهد المسند بالموروث العربي القديم الذي لاحظ هذه الظاهرة بدقة عبر القول المأثور: “لا حرّ إلا بعد الانصراف”، في إشارة إلى انصراف الشمس من تعامدها السنوي. هذه الملاحظة التاريخية تتطابق تمامًا مع المفهوم العلمي الحديث لظاهرة التأخر الحراري، مما يثبت أن الأجداد فهموا ديناميكيات المناخ من خلال التجربة والمراقبة الدقيقة للطبيعة.



