اعتقالات الحوثيين لموظفي الإغاثة: شلل تام للمساعدات في اليمن

تشهد الساحة اليمنية تطوراً خطيراً يهدد بتفاقم الكارثة الإنسانية التي تعصف بالبلاد، حيث أدت حملة الاعتقالات الواسعة والتعسفية التي شنتها جماعة الحوثي ضد العشرات من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية إلى شلل شبه تام في آليات تقديم المساعدات الإنسانية. هذا التصعيد غير المسبوق يضع ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المعونات اليومية أمام مصير مجهول.
سياق الأزمة وخلفيات التضييق المستمر
لم تأتِ هذه الاعتقالات من فراغ، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التضييق الممنهج الذي تمارسه جماعة الحوثي على العمل الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرتها. منذ سنوات، يواجه عمال الإغاثة قيوداً بيروقراطية معقدة، وتأخيراً في إصدار التصاريح، وتدخلات في قوائم المستفيدين. إلا أن الوضع انحدر مؤخراً نحو منعطف خطير بتوجيه تهم “التجسس” لموظفين يعملون في وكالات أممية وهيئات حقوقية، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكاً صارخاً للحصانات والامتيازات الممنوحة لموظفيها بموجب القانون الدولي.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يعاني فيه الاقتصاد اليمني من انهيار شامل، مع تدهور العملة المحلية وانقطاع الرواتب، مما جعل أكثر من ثلثي السكان بحاجة ماسة إلى شكل من أشكال المساعدة والحماية. وتعد المنظمات الدولية هي الشريان الوحيد الذي يمد المستشفيات بالأدوية، ويوفر الغذاء للأسر الأشد فقراً، ويدعم مشاريع المياه والصرف الصحي.
تداعيات كارثية على المستوى المحلي والإقليمي
إن التأثير المباشر لهذه الاعتقالات يتجاوز الجانب الحقوقي والسياسي ليضرب عمق الوضع المعيشي للمواطن اليمني. فقد اضطرت العديد من المنظمات إلى تعليق أنشطتها أو تقليصها إلى الحد الأدنى خوفاً على سلامة طواقمها. هذا التوقف يعني عملياً حرمان آلاف الأطفال من برامج التغذية العلاجية في ظل انتشار سوء التغذية الحاد، وتوقف حملات التطعيم ضد الأوبئة مثل الكوليرا والحصبة التي عادت للتفشي مؤخراً.
على الصعيد الدبلوماسي، أدى سلوك الحوثيين إلى تعقيد المشهد السياسي وعرقلة جهود السلام التي تقودها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. فبدلاً من بناء إجراءات الثقة اللازمة لتنفيذ خارطة الطريق للسلام، تسببت هذه الانتهاكات في توحيد الموقف الدولي المندد بالجماعة، مما قد يؤدي إلى عزلة دولية أكبر وتقليص حجم التمويل المانح لليمن، حيث تتردد الدول المانحة في ضخ أموال في بيئة عمل غير آمنة، والضحية الأولى والأخيرة في هذه المعادلة هو الشعب اليمني.



