
الحوثيون واقتصاد الجباية: استيلاء على الأصول وتمويل الحرب
تواصل جماعة الحوثي ترسيخ قبضتها على المناطق الخاضعة لسيطرتها في اليمن، ليس فقط عسكرياً وسياسياً، بل عبر بناء منظومة اقتصادية موازية تعتمد بشكل أساسي على الجباية والاستيلاء على الأصول. هذا النموذج، الذي يُعرف بـ الحوثيون واقتصاد الجباية، أصبح السمة الأبرز لإدارة الجماعة، حيث حوّلت الاقتصاد من أداة للتنمية إلى وسيلة لتمويل المجهود الحربي وإثراء طبقة جديدة من القادة والموالين، مما يفاقم من الأزمة الإنسانية الأشد قسوة في العالم.
من السيطرة على مؤسسات الدولة إلى فرض الإتاوات
بدأت هذه الاستراتيجية الاقتصادية بالتبلور بشكل واضح عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014. في البداية، ركزت الجماعة على الاستحواذ على إيرادات مؤسسات الدولة القائمة، مثل الضرائب والجمارك وصناديق التقاعد. لكن مع استمرار الحرب وتضاؤل الموارد الرسمية، ابتكرت الجماعة آليات جديدة لجمع الأموال. تم إنشاء كيانات موازية وهيئات إشرافية غير رسمية تعمل على فرض رسوم وإتاوات على كل القطاعات الاقتصادية تقريباً، بدءاً من كبار المستوردين وانتهاءً بأصحاب المحال التجارية الصغيرة والباعة المتجولين.
شملت هذه الممارسات فرض ضرائب متعددة على السلع، بما في ذلك الجمارك المزدوجة على البضائع التي تدخل مناطق سيطرتهم بعد أن تكون قد مرت بالفعل بالموانئ الحكومية. كما تم فرض جبايات تحت مسميات دينية مختلفة مثل “الخُمس”، أو لدعم مناسبات وفعاليات خاصة بالجماعة، مما أثقل كاهل المواطنين والقطاع الخاص الذي يعاني أصلاً من ويلات الحرب.
تأثيرات مدمرة: من يدفع ثمن اقتصاد الجباية الحوثي؟
إن التأثير المباشر لسياسات الحوثيون واقتصاد الجباية كان كارثياً على المستوى المحلي. فقد أدت هذه الإجراءات إلى انهيار العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة التي لم تعد قادرة على تحمل التكاليف الباهظة، مما نتج عنه فقدان آلاف الوظائف وزيادة معدلات البطالة والفقر. كما ساهمت في ارتفاع جنوني للأسعار، حيث يقوم التجار بإضافة تكلفة الجبايات المفروضة عليهم إلى السعر النهائي للمستهلك.
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يُنظر إلى هذا الاقتصاد الموازي باعتباره أحد أهم العوامل التي تطيل أمد الصراع في اليمن. فهو يوفر للجماعة تدفقات مالية مستمرة تمكنها من تمويل عملياتها العسكرية وتجنيد المقاتلين، مما يقلل من حوافزها للانخراط بجدية في أي مفاوضات سلام حقيقية. إن استمرار هذه المنظومة الاقتصادية لا يعمق فقط معاناة اليمنيين، بل يشكل أيضاً عقبة كبرى أمام أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء الدولة وتوحيد مؤسساتها الاقتصادية والمالية.



