
صندوق النقد الدولي: لبنان يحتاج مساعدات اقتصادية عاجلة
أطلق صندوق النقد الدولي تحذيراً شديد اللهجة بشأن الوضع المالي والاقتصادي في لبنان، مؤكداً أن البلاد تمر بمرحلة استثنائية وحرجة تتطلب تدخلاً دولياً فورياً. وفي هذا السياق، صرح الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، بأن لبنان يُعد من أكثر الدول تضرراً جراء التوترات الجيوسياسية والنزاعات الإقليمية الحالية، مشدداً على أن قدرة الدولة اللبنانية على استيعاب هذه الصدمات ومواجهة آثار الحرب تبدو ضعيفة جداً.
سياق الأزمة: تراكمات تاريخية واقتصادية
لفهم مدى خطورة الوضع الحالي، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة. يعاني الاقتصاد اللبناني منذ أواخر عام 2019 من انهيار مالي غير مسبوق، صنفه البنك الدولي كواحد من أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر. فقدت العملة المحلية أكثر من 95% من قيمتها، وترافقت هذه الأزمة مع احتجاز أموال المودعين في المصارف، وتداعيات جائحة كورونا، ثم الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت عام 2020. كل هذه العوامل جعلت البنية التحتية والاقتصادية هشة للغاية، مما يفسر تحذيرات صندوق النقد الدولي الحالية من أن أي صدمة إضافية قد تؤدي إلى انهيار شامل.
تداعيات الحرب: نزوح جماعي ودمار شامل
وفي مقابلة خاصة مع قناة “العربية Business” على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، أوضح أزعور أن لبنان بحاجة ماسة إلى مساعدات اقتصادية عاجلة. وكشف عن أرقام صادمة، حيث أشار إلى أنه تم تهجير نحو 20% من المواطنين اللبنانيين من منازلهم، في حين تعرضت مناطق واسعة في جنوب لبنان لدمار شامل طال البنية التحتية والممتلكات. وأضاف أزعور: “إن حجم التأثير الإنساني والاجتماعي والاقتصادي للحرب على لبنان هائل، وقدرة البلاد على الاحتمال ضعيفة نظراً لضعف الوضع الاقتصادي والمالي المسبق”.
أهمية الدعم الدولي وتأثيره الإقليمي
تتجاوز أهمية إنقاذ لبنان حدوده الجغرافية؛ فاستقرار لبنان هو مصلحة إقليمية ودولية. محلياً، سيساهم الدعم السريع في تحقيق الاستقرار الاجتماعي ومنع الانفجار المعيشي. أما إقليمياً ودولياً، فإن ترك لبنان لمصيره قد يؤدي إلى موجات هجرة غير شرعية واسعة النطاق نحو أوروبا، فضلاً عن خلق فراغ أمني قد يزيد من تعقيد المشهد في الشرق الأوسط. لذلك، دعا أزعور الدول المانحة والمؤسسات الدولية الداعمة للبنان إلى توفير الدعم السريع لتعزيز قدرة البلاد على الصمود من خلال إجراءات اقتصادية ومالية تحمي الداخل اللبناني من الصدمات السياسية والأمنية الكبيرة.
الفجوة المالية وحماية أموال المودعين
على الصعيد التقني والمالي، أشار أزعور إلى وجود تقدم في المفاوضات مع السلطات اللبنانية لتقديم حزمة دعم للاقتصاد. وأكد أنه سيتم استكمال هذه المفاوضات خلال اجتماعات الربيع، مع التركيز بشكل خاص على معالجة “قانون الفجوة المالية”. وشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة وضع آليات واضحة لضمان حماية أموال المودعين، مع إعطاء الأولوية القصوى لحماية صغار المودعين الذين تضرروا بشدة من الأزمة المصرفية.
نظرة مستقبلية: إعادة تقييم الاقتصاد اللبناني
في ختام تصريحاته، كشف مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي أن الصندوق يعمل حالياً على إعادة تقييم شاملة لوضع الاقتصاد اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب الحالية. وتأتي هذه الخطوة في ظل توقعات اقتصادية قاتمة تشير إلى احتمالية تسجيل ارتفاعات جديدة في معدلات التضخم، بالإضافة إلى التأثير السلبي المباشر والعميق على حجم الناتج المحلي الإجمالي، مما يستدعي خطة تعافي شاملة ومدعومة دولياً لانتشال البلاد من أزمتها المتعددة الأبعاد.



