
التعويذة اليهودية التي تحمي ميسي: سر الخيط الأحمر وقوة الإيمان
في عالم كرة القدم الذي تسيطر عليه الأرقام والإحصائيات والتكتيكات المعقدة، تبرز أحياناً تفاصيل صغيرة تحمل أبعاداً ثقافية وروحانية تثير الجدل وتأسر اهتمام الملايين. من بين هذه التفاصيل، يبرز الخيط الأحمر الرفيع الذي يلتف حول معصم الأسطورة ليونيل ميسي، والذي تحول من مجرد هدية عابرة إلى ما يصفه الكثيرون بأنه “التعويذة اليهودية” التي تحميه من الحسد وتجلب له الحظ. هذه القصة ليست مجرد خرافة، بل هي ظاهرة تكشف عن عمق العلاقة بين الإيمان والأداء تحت الضغط الهائل.
من هدية صحفي إلى طقس مقدس في المنتخب
بدأت الحكاية في ليلة عصيبة من ليالي مونديال روسيا 2018. كان منتخب الأرجنتين يمر بلحظات حرجة، ويواجه خطر الخروج المبكر من دور المجموعات، بينما كانت سهام النقد موجهة بالكامل نحو قائده ليونيل ميسي. في خضم هذا التوتر، وبعد أداء باهت، التقى ميسي في الممر المختلط بالصحفي الأرجنتيني راما بانتوروتو، الذي فاجأه بلفتة غير متوقعة. بدلاً من طرح سؤال، قدم الصحفي لميسي خيطاً أحمر اللون قائلاً: “أمي تحبك أكثر مني، وقد أرسلت لك هذه التميمة. احتفظ بها”. في تلك اللحظة التي تنهار فيها المعنويات، قد يكون التشبث بأي قشة أمل هو طوق النجاة. لم يرفض ميسي الهدية، بل أخذها وربطها حول كاحله الأيسر. المفاجأة كانت في المباراة التالية ضد نيجيريا، حيث سجل ميسي هدفاً إعجازياً قاد به بلاده للتأهل، وبعد المباراة كشف للصحفي نفسه أنه كان يرتدي الخيط بالفعل، لتبدأ من هنا أسطورة “تميمة ميسي”.
الخيط الأحمر و”التعويذة اليهودية”: ما هي جذور هذا المعتقد؟
لفهم دلالة هذا الخيط، يجب الغوص في جذوره التاريخية والدينية. يُعرف هذا السوار الأحمر في التقاليد اليهودية، وتحديداً في مذهب “الكابالا” الصوفي، بأنه وسيلة قوية لدرء الشر والحسد أو ما يُعرف بـ “العين الشريرة” (Ayin Hara). يعتقد أتباع هذا المذهب أن الجانب الأيسر من الجسم هو القناة التي تستقبل الطاقات الكونية، سواء كانت إيجابية أم سلبية. وعليه، يتم ربط الخيط الأحمر حول المعصم الأيسر ليعمل كـ”فلتر” يمنع دخول الطاقات السلبية والضارة ويسمح بمرور الإيجابية منها. غالباً ما يتم ربط الخيط بسبع عقد، ترمز كل عقدة إلى بُعد روحي مختلف، ويجب أن يربطه شخص يكنّ للمتلقي حباً صادقاً ليكون فعالاً.
ظاهرة عالمية تتجاوز الملاعب
لم يكن ميسي أول المشاهير الذين يتبنون هذا التقليد. فقد سبقه إلى ذلك العديد من نجوم هوليوود، وعلى رأسهم مادونا التي تعتبر من أشهر معتنقي فكر الكابالا، بالإضافة إلى ليوناردو دي كابريو وديمي مور وغيرهم. هذا الانتشار الواسع حول الخيط الأحمر من مجرد معتقد ديني محدود إلى ظاهرة ثقافية عالمية. في عالم الرياضة، حيث الضغوط النفسية هائلة والبحث عن أي أفضلية ذهنية أمر مشروع، يجد اللاعبون في مثل هذه الطقوس “مرساة نفسية”. يمنحهم هذا الاعتقاد شعوراً زائفاً أو حقيقياً بالأمان والتحصين، وهو ما يعرف في علم النفس بـ “تأثير البلاسيبو” أو الوهم الشافي، حيث يمكن للإيمان بشيء ما أن يحقق نتائج ملموسة بحد ذاته.
عدوى روحانية تنتشر في معسكر “التانغو”
المثير للدهشة أن تأثير الخيط الأحمر لم يتوقف عند ميسي، بل تحول إلى ما يشبه “العدوى الروحانية” داخل معسكر منتخب الأرجنتين. أصبح ميسي هو “الموزع” لهذه التمائم على زملائه في اللحظات الحاسمة. فقد أهدى واحداً لزميله باولو ديبالا، وآخر للحارس إيميليانو مارتينيز الذي ارتداه خلال ركلات الترجيح المصيرية، وكذلك لاعبين مثل رودريغو دي بول وأنخيل دي ماريا. وكأن هذا الخيط أصبح رمزاً للوحدة والإيمان المشترك بقدرتهم على تحقيق المستحيل، وهو ما تجلى في فوزهم بكوبا أمريكا 2021 وكأس العالم 2022. في النهاية، سواء كان الأمر مجرد خرافة، أو دعماً نفسياً، أو بالفعل “تعويذة” فعالة، فقد أصبح الخيط الأحمر جزءاً لا يتجزأ من السردية الأسطورية لميسي وإرثه الكروي.

