مال و أعمال

الصحة النفسية في العمل: كيف تحمي موظفيك وتعزز الإنتاجية؟

تحول عالمي في مفهوم السلامة المهنية

في وقت تتجه فيه الأنظار عالميًا نحو تطوير بيئات العمل وتعزيز سلامة العاملين، يبرز محور “البيئة النفسية في العمل” كأحد أهم الملفات التي تتصدر أجندة اليوم العالمي للسلامة والصحة المهنية. يعكس هذا التحول اللافت إدراكًا متزايدًا بأن المخاطر لم تعد محصورة في الجوانب الفيزيائية أو الكيميائية فقط، بل امتدت لتشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تؤثر بشكل مباشر على أداء العاملين وسلامتهم.

وفي هذا السياق، أوضح أحمد صمّان، أستاذ الصحة المهنية والبيئية المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز، خلال حديثه لـ “اليوم”، أن الطرح الذي تقدمه منظمة العمل الدولية يعكس نقلة نوعية في فهم بيئات العمل. حيث لم تعد مفاهيم مثل وضوح الأدوار الوظيفية، ودعم الإدارة، والعدالة الإجرائية مجرد أدوات تنظيمية، بل أصبحت تمثل خطوط دفاع أساسية للوقاية من المخاطر المهنية.

السياق التاريخي: من المخاطر المادية إلى الأعباء النفسية

تاريخيًا، ركزت جهود السلامة والصحة المهنية بشكل أساسي على المخاطر الملموسة مثل حوادث الآلات، والتعرض للمواد الكيميائية الخطرة، والضوضاء. لكن مع تحول الاقتصادات العالمية من الصناعة الثقيلة إلى اقتصاد الخدمات والمعرفة، برزت تحديات جديدة. لقد أصبحت ضغوط العمل، والاحتراق الوظيفي، وغياب التوازن بين الحياة والعمل من المسببات الرئيسية للأمراض والإصابات. وقد اعترفت منظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) بأن الصحة لا تقتصر على غياب المرض الجسدي، بل تشمل الرفاهية النفسية والاجتماعية، مما رسخ أهمية العناية بالبيئة النفسية كجزء لا يتجزأ من مسؤولية أصحاب العمل.

التأثيرات المباشرة للبيئة النفسية السلبية

وبيّن صمّان أن تجاهل هذه العوامل لا يقتصر أثره على انخفاض الرضا الوظيفي، بل يمتد ليشكل تهديدًا حقيقيًا لسلامة العاملين. مشيرًا إلى أن الضغوط النفسية المتراكمة داخل بيئات العمل قد تقود إلى ضعف التركيز، وتراجع القدرة على اتخاذ القرار، وهو ما يرفع احتمالات الأخطاء المهنية والحوادث. وأضاف أن الدراسات الحديثة تشير إلى تصاعد تأثير المخاطر النفسية الاجتماعية، لتنافس بل وتتجاوز في بعض الأحيان المخاطر التقليدية. فغموض الدور الوظيفي، وضعف الدعم الإداري، والشعور بعدم العدالة التنظيمية تمثل عوامل رئيسية تسهم في تسريع وتيرة الاحتراق الوظيفي، وتؤثر سلبًا على سلوكيات العاملين.

بناء منظومة متكاملة للوقاية

وأكد أن وضوح الدور المهني يمثل نقطة الانطلاق نحو بيئة عمل مستقرة، مشددًا على أن الموظف الذي يدرك مسؤولياته بدقة ويشعر بدعم إدارته، يكون أكثر قدرة على الإنتاج وأقل عرضة للغياب أو الوقوع في الأخطاء. وأشار إلى أن بناء بيئة عمل صحية يتطلب منظومة متكاملة من الإجراءات التنظيمية التي تبدأ بمراقبة أعباء العمل وتوزيعها بشكل عادل، مرورًا بعقد اجتماعات تنسيقية دورية، ووصولًا إلى تبني سياسات شفافة لاستقبال الشكاوى ومعالجتها، بما يعزز الثقة بين العاملين والإدارة. وحذر صمّان من أن تجاهل هذه المنظومة يحولها من أدوات تنظيمية إلى عوامل خطر كامنة، حيث تشهد البيئات التي تُهمّش فيها الشكاوى أو تغيب عنها العدالة ارتفاعًا ملحوظًا في مؤشرات الإجهاد النفسي وحوادث العمل.

الأهمية الاستراتيجية على المستويين المحلي والدولي

على الصعيد الدولي، تقدر منظمة الصحة العالمية أن اضطرابات القلق والاكتئاب تكلف الاقتصاد العالمي تريليون دولار سنويًا بسبب فقدان الإنتاجية. أما محليًا، فيتماشى الاهتمام بالبيئة النفسية للعمل مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تضع تنمية رأس المال البشري وخلق بيئة عمل جاذبة ومحفزة في صميم أولوياتها. فالشركات التي تستثمر في صحة موظفيها النفسية لا تساهم فقط في تحقيق أهداف الرؤية، بل تكتسب ميزة تنافسية في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها. واختتم صمّان حديثه بالتأكيد على أن التعامل مع العوامل النفسية الاجتماعية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العمل الحديثة، وأن إدماج هذه العوامل ضمن منظومة السلامة المهنية يسهم في بناء بيئات عمل أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى