العالم العربي

أزمة منفذ البحر الأحمر: مساعٍ إثيوبية وتحركات مصرية

مقدمة عن الصراع الجيوسياسي في القرن الإفريقي

تتصدر أزمة منفذ البحر الأحمر المشهد السياسي والأمني في منطقة القرن الإفريقي، حيث تتواصل المساعي الإثيوبية الحثيثة للحصول على وصول سيادي إلى المياه الدافئة، في مقابل تحركات مصرية مضادة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي والمصري، والحفاظ على سيادة الدول وفقاً للقوانين الدولية. هذا الصراع الجيوسياسي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتعقيدات تاريخية وتراكمات سياسية ألقت بظلالها على واحدة من أهم الممرات المائية في العالم.

السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة

أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة (غير ساحلية) منذ استقلال إريتريا في عام 1993، مما أفقدها منفذها المباشر على البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت أديس أبابا بشكل شبه كلي على موانئ جيبوتي المجاورة لتمرير أكثر من 95% من تجارتها الخارجية. ومع النمو السكاني والاقتصادي المتسارع، بدأت القيادة الإثيوبية تعتبر مسألة الوصول إلى البحر الأحمر قضية وجودية وأمناً قومياً استراتيجياً.

وفي مطلع عام 2024، اتخذت إثيوبيا خطوة مثيرة للجدل بتوقيع مذكرة تفاهم مع إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالي، تقضي باستئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً لمدة 50 عاماً لإنشاء قاعدة بحرية وميناء تجاري، مقابل اعتراف محتمل باستقلال الإقليم. وهو ما أثار غضباً عارماً في العاصمة الصومالية مقديشو، التي تعتبر الإقليم جزءاً لا يتجزأ من أراضيها السيادية.

التحركات المصرية المضادة وحماية الأمن القومي

لم تقف مصر مكتوفة الأيدي أمام هذه التطورات التي تمس أمن البحر الأحمر، والذي يعتبر امتداداً أصيلاً للأمن القومي المصري لارتباطه المباشر بحركة الملاحة في قناة السويس. سارعت القاهرة إلى إعلان رفضها القاطع للاتفاق الإثيوبي مع “أرض الصومال”، مؤكدة دعمها الكامل لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.

وتُرجم هذا الموقف إلى تحركات دبلوماسية وعسكرية مكثفة، شملت توقيع بروتوكولات تعاون عسكري مع مقديشو، وإرسال مساعدات عسكرية لدعم الجيش الصومالي في بسط سيطرته. وتأتي هذه التحركات المصرية في ظل توتر مسبق مع إثيوبيا بسبب التعنت الإثيوبي في أزمة سد النهضة، مما يجعل الساحة الصومالية نقطة تماس جديدة في التنافس الاستراتيجي بين القاهرة وأديس أبابا.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع محلياً ودولياً

على المستوى المحلي والإقليمي، تنذر هذه التطورات بتصعيد خطير في منطقة القرن الإفريقي الهشة أمنياً. فالتدخلات الإثيوبية قد تؤدي إلى إضعاف جهود الحكومة الصومالية في مكافحة الإرهاب، وتحديداً مواجهة حركة الشباب. كما أن التحشيد العسكري المضاد قد يجر المنطقة إلى سباق تسلح أو صراعات بالوكالة تزيد من تعقيد المشهد.

أما على المستوى الدولي، فإن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثل أولوية قصوى للتجارة العالمية. أي زعزعة للاستقرار في هذه المنطقة الحيوية ستؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل التوترات الحالية التي يشهدها البحر الأحمر. ولذلك، سارعت قوى دولية وإقليمية، بما فيها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، إلى الدعوة لخفض التصعيد واحترام سيادة الصومال، محذرة من أن أي صراع جديد سيكلف المنطقة والعالم أثماناً باهظة اقتصادياً وأمنياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى