
إحياء دور السينما في عدن: عودة الشاشة الكبيرة بعد عقود
في خطوة تعيد إلى الأذهان زمناً من الازدهار الفني والثقافي، تشهد مدينة عدن الساحلية اليمنية حدثاً فارقاً يتمثل في إحياء دور السينما في عدن بعد عقود من الصمت والغياب. هذه العودة لا تمثل مجرد افتتاح لمبانٍ ترفيهية، بل هي رسالة أمل قوية بأن الحياة الطبيعية والثقافة قادرتان على الصمود والنهوض من جديد في مدينة عانت طويلاً من ويلات الصراع.
عدن.. ذاكرة فنية تستيقظ من جديد
لم تكن عدن مدينة عادية في تاريخ اليمن الحديث، بل كانت منارة ثقافية وفنية وبوابة اليمن على العالم. خلال منتصف القرن العشرين، كانت المدينة تعج بالحياة وتضم أكثر من 15 دار عرض سينمائي شهيرة مثل سينما “هريكن” و”ريالتو”، التي كانت تعرض أحدث الأفلام العربية والعالمية، وشكلت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي للسكان. كانت السينما متنفساً للعائلات والشباب، ونافذة للاطلاع على ثقافات العالم المختلفة، مما أسهم في تشكيل وعي مجتمعي منفتح ومتحضر.
إلا أن عقوداً من الاضطرابات السياسية والصراعات المسلحة المتعاقبة أدت إلى تدهور المشهد الثقافي بشكل مأساوي. أُغلقت دور السينما الواحدة تلو الأخرى، وتحول بعضها إلى أطلال مهجورة، بينما تغير نشاط البعض الآخر، ليطوي النسيان صفحة مضيئة من تاريخ عدن الفني. لقد كان غياب الشاشة الكبيرة رمزاً لانحسار الفن والثقافة أمام ضجيج الحرب.
ماذا يعني إحياء دور السينما في عدن اليوم؟
إن قرار إحياء دور السينما في عدن اليوم يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز مجرد الترفيه. على الصعيد الاجتماعي، يمثل هذا الحدث استعادة للمساحات العامة التي تجمع الناس على اختلافهم، ويوفر للشباب والأسر متنفساً آمناً وإيجابياً بعيداً عن أجواء التوتر. إنه يعزز الشعور بالعودة إلى الحياة الطبيعية ويساهم في إعادة بناء الروابط المجتمعية التي أضعفتها سنوات الحرب.
اقتصادياً، يمكن أن تشكل هذه الخطوة نواة لمشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة في قطاع الخدمات والترفيه، مما يخلق فرص عمل جديدة ويحرك عجلة الاقتصاد المحلي. أما على الصعيد الرمزي، فإن عودة الأضواء إلى شاشات عدن هي انتصار للثقافة والحياة على قوى الظلام والتطرف، وتأكيد على أن هوية المدينة المدنية المنفتحة لا تزال حية وقادرة على استعادة بريقها. إنها خطوة تبعث برسالة إلى العالم بأن اليمن ليس فقط ساحة للصراع، بل هو أيضاً وطن لشعب يتوق إلى السلام والفن والجمال.



