
الغذاء والدواء: إعفاء أدوية من التكافؤ الحيوي لتسريع توفرها
أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة العربية السعودية عن طرح مسودة تنظيمية جديدة تهدف إلى تحديث معايير تسجيل الأدوية، وتحديداً إعفاء بعض الأدوية الفموية من شرط إجراء دراسات التكافؤ الحيوي السريرية. وتهدف هذه الخطوة الاستراتيجية إلى تسريع عملية تقييم وتسجيل الأدوية الجنيسة (البديلة)، وتسهيل وصولها للمرضى، مع الحفاظ على أعلى معايير الفعالية والأمان المعتمدة.
السياق العام: ما هو التكافؤ الحيوي؟
تُعد دراسات التكافؤ الحيوي (Bioequivalence Studies) ركيزة أساسية في عملية الموافقة على الأدوية الجنيسة. وهي تجارب سريرية تُجرى على متطوعين أصحاء لمقارنة أداء الدواء الجنيس مع الدواء المبتكر (المرجعي) بعد تناوله. الهدف هو إثبات أن الدواء الجنيس يمتصه الجسم ويصل إلى مجرى الدم بنفس المعدل والكمية التي يصل بها الدواء الأصلي، مما يضمن أنه سيُعطي نفس التأثير العلاجي. ورغم أهميتها، إلا أن هذه الدراسات تتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة، مما قد يؤخر توفر بدائل دوائية أقل سعراً في السوق.
الأساس العلمي للقرار: نظام التصنيف الصيدلاني الحيوي (BCS)
أوضحت الهيئة أن التنظيم الجديد يستند إلى “نظام التصنيف الصيدلاني الحيوي” (Biopharmaceutics Classification System – BCS)، وهو إطار علمي معتمد عالمياً يصنف المواد الدوائية الفعالة إلى أربع فئات بناءً على خصائص ذوبانها في الماء وقدرتها على النفاذ عبر جدار الأمعاء. يوفر هذا النظام بديلاً موثوقاً للدراسات السريرية، حيث يمكن التنبؤ بأداء بعض الأدوية داخل الجسم بناءً على خصائصها المخبرية (In-vitro). وبموجب المسودة، سيقتصر الإعفاء بشكل أساسي على الأدوية الفموية الصلبة سريعة التحرر التي تنتمي للفئتين الأولى والثالثة من هذا النظام، والتي تتميز بقابلية ذوبان عالية، مما يجعل امتصاصها أكثر قابلية للتنبؤ.
أهمية القرار وتأثيره المتوقع
يحمل هذا التوجه أهمية كبرى على عدة مستويات. محلياً، يُتوقع أن يشجع القرار شركات الأدوية المحلية على زيادة إنتاجها من الأدوية الجنيسة، مما يعزز الأمن الدوائي للمملكة ويقلل من تكاليف الرعاية الصحية على المواطنين والدولة، وهو ما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 في توطين الصناعات الحيوية. إقليمياً، تضع هذه الخطوة المملكة في مصاف الدول المتقدمة تنظيمياً، مما يعزز من مكانة الهيئة العامة للغذاء والدواء كجهة رقابية رائدة في المنطقة. دولياً، يمثل هذا الإجراء توافقاً مع المبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمات عالمية مثل “المجلس الدولي لتنسيق المتطلبات الفنية للمستحضرات الصيدلانية للاستخدام البشري” (ICH)، مما يسهل الاعتراف المتبادل بالأدوية ويدعم حركة التجارة الدوائية.
قيود وضوابط لضمان سلامة المرضى
أكدت الهيئة أن هذا الإعفاء ليس مطلقاً، بل يخضع لقيود صارمة لضمان سلامة المرضى. فالمسودة تستثني بشكل واضح الأدوية ذات “المؤشر العلاجي الضيق”، وهي الأدوية الحساسة التي قد يؤدي أي تغيير طفيف في جرعتها بالدم إلى فشل العلاج أو حدوث تسمم. كما استُبعدت الأدوية التي تُمتص عبر الفم أو تحت اللسان. وشددت الهيئة على ضرورة تطابق المكونات غير الفعالة في الدواء الجنيس مع الدواء المرجعي، وألزمت الشركات بتقديم مبررات علمية دقيقة وإجراء اختبارات ذوبان مقارنة صارمة لإثبات جودة منتجاتها.



