ترمب يهاجم جيروم باول: اتهامات بالفساد وتهديد استقلالية الفيدرالي

في تصعيد جديد يعكس عمق الفجوة بين السلطة التنفيذية والسياسة النقدية في الولايات المتحدة، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، واصفاً إياه بأنه «غير كفء» أو «فاسد». هذه التصريحات النارية لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل جاءت لتصب الزيت على النار في وقت تزداد فيه المخاوف في الأسواق العالمية حول مستقبل استقلالية البنك المركزي الأمريكي، المؤسسة التي طالما اعتبرت الحصن المنيع للاقتصاد العالمي ضد التقلبات السياسية.
سياق الهجوم: التضخم وأسعار الفائدة
جاءت تصريحات ترمب للصحفيين رداً على تساؤلات حول تأثير التحقيقات الجنائية التي أطلقتها وزارة العدل على مصداقية الفيدرالي. وكان الرئيس الأمريكي قد مهد لهذا الهجوم عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث أشاد ببيانات التضخم التي صدرت مؤخراً واصفاً إياها بـ «الرائعة والمنخفضة». ويرى ترمب أن هذه البيانات تعد دليلاً قاطعاً على أن جيروم باول قد تأخر كثيراً في اتخاذ قرار خفض أسعار الفائدة، وهو الإجراء الذي يطالب به الرئيس بشدة لتحفيز النمو الاقتصادي وتسهيل الاقتراض للشركات والأفراد.
التحقيقات الجنائية: ورقة ضغط سياسية؟
يأتي هذا الهجوم اللفظي متزامناً مع ضغوط قانونية هائلة يواجهها جيروم باول. فقد كشف رئيس الفيدرالي عن تلقيه مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى تابعة لوزارة العدل، تلوح بتوجيه اتهامات جنائية ضده شخصياً. ويربط باول بين هذه التحقيقات وشهادته السابقة أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي، والتي سلطت الضوء على تجاوزات مالية ضخمة في مشروع تجديد وتوسعة المقر الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، بتكلفة إجمالية وصلت إلى 2.5 مليار دولار. يرى مراقبون أن توقيت هذه التحقيقات يثير تساؤلات حول ما إذا كانت تُستخدم كأداة للضغط على قرارات السياسة النقدية.
أهمية استقلالية الفيدرالي وتأثير الصراع
تكتسب هذه المواجهة أهمية قصوى تتجاوز الخلاف الشخصي بين ترمب وباول؛ فهي تمس جوهر النظام المالي الأمريكي. تاريخياً، تم تصميم الاحتياطي الفيدرالي ليكون مستقلاً عن البيت الأبيض لضمان اتخاذ قرارات اقتصادية مبنية على البيانات وليس على المصالح الانتخابية قصيرة الأجل. إن محاولات التأثير المباشر أو التشكيك في نزاهة رئيس الفيدرالي قد تؤدي إلى:
- اهتزاز ثقة الأسواق: يعتمد المستثمرون حول العالم على استقرار الدولار والسياسة النقدية الأمريكية. أي تصور بأن الفيدرالي يخضع لأهواء سياسية قد يؤدي لهروب رؤوس الأموال.
- مخاطر التضخم: الضغط لخفض الفائدة دون مبرر اقتصادي قوي قد يؤدي إلى عودة التضخم للارتفاع، مما يضر بالقوة الشرائية للمواطن الأمريكي.
- سابقة تاريخية خطيرة: بينما شهد التاريخ توترات بين رؤساء أمريكا ورؤساء الفيدرالي (مثل حقبة نيكسون وآرثر بيرنز)، إلا أن التهديد بالملاحقة الجنائية والاتهام العلني بالفساد يعد تحولاً دراماتيكياً في العلاقة بين المؤسستين.
في الختام، يظل الصراع بين ترمب وباول اختباراً حقيقياً لمتانة المؤسسات الأمريكية، حيث يترقب الاقتصاديون وصناع القرار حول العالم ما ستؤول إليه هذه المواجهة، وهل سيتمكن الفيدرالي من الحفاظ على مساره النقدي المستقل وسط هذه العواصف السياسية والقانونية.



