
سياسة ترامب تجاه إيران: من الانسحاب النووي إلى الضغط الأقصى
مقدمة: عهد جديد من المواجهة
شهدت فترة رئاسة دونالد ترامب تحولاً جذرياً في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران، حيث انتقلت العلاقات من دبلوماسية حذرة إلى مواجهة مفتوحة. تميزت هذه الفترة بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي التاريخي وإطلاق حملة “الضغط الأقصى” التي أعادت تشكيل الديناميكيات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، ووضعت البلدين على شفا مواجهة عسكرية في أكثر من مناسبة.
السياق التاريخي: الانسحاب من الاتفاق النووي
في عام 2015، توصلت إيران ومجموعة القوى العالمية (5+1) إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي الإيراني. هدف الاتفاق إلى تقييد برنامج إيران النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة عليها. ورغم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت مراراً التزام إيران ببنود الاتفاق، إلا أن الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب كان من أشد منتقديه، واصفاً إياه بأنه “أسوأ اتفاق تم التفاوض عليه على الإطلاق”.
في مايو 2018، أعلن ترامب رسمياً انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من جانب واحد، معيداً فرض جميع العقوبات الأمريكية التي تم رفعها سابقاً، بالإضافة إلى فرض حزم جديدة من العقوبات الأكثر صرامة. كانت هذه الخطوة هي حجر الزاوية في استراتيجية “الضغط الأقصى” التي هدفت إلى شل الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد يشمل برنامجها الصاروخي الباليستي ونفوذها الإقليمي.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
كان لسياسة الضغط الأقصى تداعيات عميقة على مختلف الأصعدة:
- على الصعيد الإيراني المحلي: أدت العقوبات إلى انهيار قيمة العملة الإيرانية (الريال)، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة بشكل حاد، مما أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين الإيرانيين وأدى إلى احتجاجات شعبية متفرقة. ورغم الضغط الاقتصادي الهائل، لم تؤدِ السياسة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن.
- على الصعيد الإقليمي: تصاعد التوتر بشكل خطير في منطقة الخليج العربي. شهدت المنطقة سلسلة من الحوادث، بما في ذلك هجمات على ناقلات نفط في مضيق هرمز، وإسقاط إيران لطائرة استطلاع أمريكية مسيرة في يونيو 2019. وبلغ التوتر ذروته في يناير 2020 باغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني في بغداد، وردت إيران بقصف صاروخي لقواعد عسكرية تستضيف قوات أمريكية في العراق.
- على الصعيد الدولي: أدى القرار الأمريكي الأحادي إلى شرخ كبير مع الحلفاء الأوروبيين (بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) الذين حاولوا إنقاذ الاتفاق النووي لكنهم فشلوا في حماية اقتصاداتهم من العقوبات الأمريكية الثانوية. كما دفعت هذه السياسة إيران إلى التحلل تدريجياً من التزاماتها النووية، حيث قامت بزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز الحدود المنصوص عليها في الاتفاق، مما أثار قلقاً دولياً متزايداً.
في المحصلة، لم تنجح استراتيجية ترامب في تحقيق أهدافها المعلنة، بل أدت إلى زيادة التوترات الإقليمية وتقويض الجهود الدبلوماسية الدولية، وتركت إرثاً معقداً من عدم الثقة لا يزال يؤثر على محاولات إحياء المسار الدبلوماسي مع إيران حتى اليوم.



