
النفقات الدفاعية لبريطانيا: خطة بـ300 مليار لمواجهة التهديدات
في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في سياستها الأمنية، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن خطة طموحة لزيادة النفقات الدفاعية لبريطانيا لتصل إلى ما يقارب 300 مليار جنيه إسترليني (حوالي 397 مليار دولار) بحلول عام 2030. يأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والمخاطر المتزايدة على الساحة الدولية، مؤكداً عزم المملكة المتحدة على تحديث قواتها المسلحة وتأكيد دورها كقوة فاعلة على الصعيد العالمي.
تحول استراتيجي في مواجهة عالم متغير
لم يأتِ هذا القرار من فراغ، بل هو نتاج مباشر للتحولات العميقة التي يشهدها العالم. فبعد عقود من الاستقرار النسبي الذي تلا الحرب الباردة، والذي أتاح للعديد من الدول الغربية تقليص ميزانياتها العسكرية، جاءت أحداث السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، لتكون بمثابة جرس إنذار. لقد أظهرت هذه الصراعات أن التهديدات التقليدية للدول لا تزال قائمة، بل وتتطور لتأخذ أشكالاً جديدة. هذا السياق دفع المملكة المتحدة، كغيرها من حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى إعادة تقييم شاملة لقدراتها الدفاعية وضرورة الاستثمار فيها لضمان أمنها القومي وأمن حلفائها.
أبعاد خطة زيادة النفقات الدفاعية لبريطانيا
الخطة التي كشف عنها ستارمر لا تقتصر على زيادة الأرقام في الميزانية فحسب، بل تمثل رؤية متكاملة لتطوير الجيش البريطاني. تتضمن الخطة تخصيص ميزانية إضافية تقدر بـ 15 مليار جنيه إسترليني على مدى السنوات الأربع المقبلة، لتشكل جزءاً من إجمالي الإنفاق الذي سيصل إلى 300 مليار بحلول نهاية العقد. ستُوجه هذه الأموال نحو مجالات حيوية تعكس طبيعة الحروب الحديثة، حيث سيتم التركيز بشكل كبير على تطوير الطائرات المسيّرة (الدرونز) والأنظمة القتالية الذاتية القيادة، بالإضافة إلى تعزيز القدرات في مجالات الحرب السيبرانية والفضاء والذكاء الاصطناعي. وأكد ستارمر أن “هذا الاستثمار القياسي يضع أمن الشعب البريطاني أولاً، من خلال تحويل قواتنا المسلحة ومنحها التمويل والمعدات التي تحتاجها للقتال والدفاع عن أمتنا”.
تأثيرات إقليمية ودولية واسعة
يحمل هذا الإعلان رسائل متعددة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى مستوى حلف الناتو، تؤكد بريطانيا من خلال هذه الخطوة التزامها الراسخ بأمن الحلفاء، خاصة دول الجناح الشرقي لأوروبا التي تشعر بتهديد مباشر. كما أنها تستجيب للضغوط المتكررة، وخصوصاً من الولايات المتحدة، لزيادة الدول الأعضاء إنفاقها العسكري للوصول إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي كحد أدنى، وهو الهدف الذي تسعى بريطانيا لتجاوزه. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الزيادة في الإنفاق تبعث برسالة ردع واضحة للمنافسين والخصوم، مفادها أن المملكة المتحدة جادة في حماية مصالحها والحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد. كما يُتوقع أن يعزز هذا الاستثمار الضخم القاعدة الصناعية الدفاعية في بريطانيا، مما يساهم في خلق وظائف جديدة ودفع عجلة الابتكار التكنولوجي.



