
مختصون لـ«اليوم»: تكرار الأسئلة والضياع بأماكن مألوفة علامات للزهايمر تستدعي التقييم
أكدت وزارة الصحة أن نحو 57 مليون شخص كانوا يعيشون مع الخرف عالميًا في عام 2021، فيما تُسجل قرابة 10 ملايين حالة جديدة سنويًا، مشيرة إلى أن مرض الزهايمر يُعد أكثر أنواع الخرف شيوعًا، وقد يمثل نحو 60 إلى 70% من الحالات.
وأوضحت الوزارة، بمناسبة اليوم العالمي للزهايمر الذي يوافق 21 سبتمبر من كل عام، أن الخرف ليس جزءًا حتميًا من التقدم في العمر، رغم أنه أكثر شيوعًا بعد سن 65 عامًا، لافتة إلى أنه يُعد حاليًا سابع سبب رئيسي للوفاة عالميًا، ومن الأسباب المهمة للإعاقة والاعتماد على الآخرين بين كبار السن.
وفي سياق متصل، أكد مختصون لـ«اليوم» أن النسيان لا يعني بالضرورة الإصابة بالزهايمر، إلا أن تكرار الأسئلة، ونسيان الأحداث القريبة، والضياع في الأماكن المألوفة، وصعوبة أداء المهام المعتادة، والتغيرات التي تؤثر في استقلالية الشخص وحياته اليومية تستدعي التقييم الطبي، مشيرين إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات في وسائل التشخيص والعلاجات الموجهة لبعض المرضى في المراحل المبكرة.
النسيان ليس واحدًا
وقال أستاذ واستشاري طب كبار السن وأمراض الشيخوخة بكلية الطب في جامعة الملك عبدالعزيز أ.د. سلطان العمري، إن أبرز العلامات المبكرة لمرض الزهايمر تتمثل في النسيان الذي يؤثر في سير الحياة اليومية، مثل نسيان المواعيد أو الأحداث المهمة
وتكرار طرح الأسئلة نفسها بصورة مستمرة.
وأضاف أن العلامات قد تشمل كذلك مواجهة صعوبة واضحة في التخطيط أو حل المشكلات، وصعوبة إنجاز المهام المألوفة في المنزل أو العمل، والارتباك في تحديد الوقت أو المكان والفصول والأعوام، إلى جانب صعوبات في فهم الصور البصرية والعلاقات المكانية.
وأشار إلى أن المريض قد يواجه صعوبة في إيجاد الكلمات المناسبة أثناء الحديث أو الكتابة، أو يضع الأشياء في أماكن غير معتادة ويعجز عن تتبع خطواته للعثور عليها، فضلًا عن ضعف الحكم على الأمور، والانسحاب من الأنشطة الاجتماعية أو المهنية، وظهور تغيرات ملحوظة في المزاج والشخصية.
وأوضح العمري أن التفريق بين الزهايمر والتغيرات الطبيعية المرتبطة بالتقدم في العمر يعتمد على طبيعة النسيان ومدى تأثيره في حياة الشخص؛ إذ قد ينسى الإنسان بعض التفاصيل أو الأسماء ثم يتذكرها لاحقًا، بينما قد ينسى مريض الزهايمر أحداثًا كاملة ولا يتمكن من استرجاعها.
وأضاف أن الشخص قد يرتكب بصورة عرضية خطأ في إدارة بعض شؤونه المالية، بينما تصبح الصعوبات المرتبطة بالأرقام والتخطيط لدى مريض الزهايمر أكثر استمرارًا وتأثيرًا، مؤكدًا أن التغيرات غير المعتادة تستدعي التقييم الطبي عندما تبدأ في التأثير في استقلالية الشخص وقدرته على أداء مهامه اليومية.
ولفت إلى أن خطر الإصابة بأمراض الخرف يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها التقدم في العمر، إذ تزداد الاحتمالية بعد سن 65 عامًا، إلى جانب التاريخ العائلي والاستعداد الوراثي، والعزلة الاجتماعية والاكتئاب، فيما تؤدي صحة الأوعية الدموية دورًا مهمًا أيضًا، ومن عوامل الخطورة ارتفاع ضغط الدم غير المنضبط، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، والسمنة، والتدخين، وقلة النشاط البدني.
وأشار إلى دراسة منشورة في مجلة «The Lancet» تفيد بأن نحو 45% من حالات الخرف يمكن الوقاية منها أو تأخير ظهورها من خلال التعامل مع عدد من عوامل الخطورة، موضحًا أن ذلك يشمل ممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع غذاء صحي، والمحافظة على التحفيز الذهني من خلال القراءة والتعلم، واستمرار العلاقات الاجتماعية والحد من العزلة، إلى جانب السيطرة على ارتفاع ضغط الدم والسكري والاكتئاب والسمنة وضعف السمع.
وأكد العمري أن وسائل تشخيص أمراض الخرف والزهايمر شهدت تطورات نوعية، من بينها استخدام مؤشرات حيوية في الدم للمساعدة في الكشف عن التغيرات المرتبطة بتراكم بروتينات في الدماغ ذات صلة بالمرض، بما يفتح المجال أمام اكتشاف المرض والتدخل في مراحل أبكر.
وأضاف أن التطورات العلاجية شملت ظهور أدوية بيولوجية مناعية حديثة أظهرت قدرة على إبطاء معدل التدهور المعرفي لدى بعض المرضى، بما قد يساعد على المحافظة على استقلالية المريض وجودة حياته لفترة أطول.
وعن التعامل مع التغيرات السلوكية والنفسية، أكد العمري أهمية إدراك الأسرة ومقدمي الرعاية أن بعض التصرفات والتقلبات المزاجية لدى المصاب ناتجة عن التغيرات التي يحدثها المرض في الدماغ، وليست تصرفات متعمدة.
وأوضح أن التعامل السليم يتطلب المحافظة على الهدوء، وتجنب المجادلة والتوبيخ، وتبسيط التواصل باستخدام جمل قصيرة ونبرة هادئة، إلى جانب توفير بيئة مألوفة وآمنة تحد من مخاطر السقوط أو الضياع.
وشدد على أهمية المحافظة على كرامة المريض، وتشجيعه على أداء المهام البسيطة التي لا يزال قادرًا عليها، وإشراكه في الأنشطة المحببة إليه مع تقديم الدعم عند الحاجة، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة حصول مقدمي الرعاية أنفسهم على الدعم النفسي والراحة المنتظمة لتجنب الاحتراق النفسي والجسدي.
ليس شيخوخة طبيعية
من جانبها، قالت أستاذ مشارك واستشارية طب الأعصاب والسكتات الدماغية بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل د. عائشة إبراهيم البكر، إن الزهايمر مرض يصيب الدماغ ويرتبط بتراكم غير طبيعي لبروتيني «الأميلويد» و«تاو»، ما يؤثر تدريجيًا في الخلايا العصبية، خصوصًا في المناطق المسؤولة عن الذاكرة والتعلم، ثم يمتد تأثيره إلى التفكير واللغة والقدرة على أداء المهام اليومية، مؤكدة أنه ليس جزءًا طبيعيًا من الشيخوخة.
وأوضحت أن نسيان اسم ثم تذكره لاحقًا قد يحدث بصورة طبيعية، لكن تكرار الأسئلة، ونسيان الأحداث القريبة، والضياع في الأماكن المألوفة، وصعوبة أداء المهام المعتادة تمثل تغيرات تستدعي التقييم الطبي.
وأضافت أن احتمالات الإصابة تزداد مع العمر والاستعداد الوراثي، كما تسهم عوامل أخرى في زيادة الخطورة، من بينها ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين وقلة النشاط البدني والعزلة الاجتماعية وضعف السمع.
وأشارت إلى أن النشاط البدني، واتباع غذاء متوازن، والمحافظة على النشاط الذهني والاجتماعي، وضبط الأمراض المزمنة، تساعد في تقليل عوامل الخطورة والمحافظة على صحة الدماغ.
وأكدت البكر أن التشخيص المبكر يساعد المريض وأسرته على التخطيط للرعاية
د. عائشة البكر
والوصول إلى خيارات العلاج والدعم المناسبة، بما يسهم في تحسين جودة الحياة والتعامل مع تطورات المرض بصورة أفضل.
ولفتت إلى ظهور تحاليل دم حديثة تساعد في عملية التشخيص، إلى جانب علاجات تستهدف بروتين «الأميلويد»، ويمكن أن تسهم في إبطاء التدهور لدى بعض المرضى في المراحل المبكرة.
الوعي يبدأ بالملاحظة
واتفق المختصون على أن التعامل مع الزهايمر يبدأ بتصحيح الاعتقاد بأن كل نسيان مع التقدم في العمر يمثل مرضًا، وفي المقابل عدم تجاهل التغيرات المستمرة التي تؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته بصورة مستقلة.
وأكدوا أن التشخيص المبكر يتيح فرصًا أفضل للتخطيط للرعاية والاستفادة من الخيارات العلاجية والدعم المتاح، فيما تسهم السيطرة على الأمراض المزمنة والنشاط البدني والذهني والاجتماعي في التعامل مع عدد من عوامل الخطورة.
وشددوا على أن المصاب بالزهايمر يحتاج إلى الرعاية والاحترام والمحافظة على كرامته واستقلاليته قدر الإمكان، فيما تحتاج أسرته ومقدمو الرعاية إلى المعرفة والدعم، بما يجعل رفع الوعي بالمرض مسؤولية مجتمعية تتجاوز المريض إلى محيطه بأكمله.



