
التصعيد الحوثي: هروب من الغضب الشعبي وتأثيره الإقليمي
يتصاعد الغضب الشعبي في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي في اليمن، وسط أزمة اقتصادية خانقة ومطالبات متزايدة بصرف المرتبات المنقطعة منذ سنوات. وفي مواجهة هذا الضغط الداخلي، يبدو أن الجماعة قد اختارت الهروب إلى الأمام عبر تبني استراتيجية التصعيد الحوثي على الصعيدين العسكري والإعلامي، محاولةً تحويل الأنظار عن فشلها في إدارة شؤون المواطنين وتلبية أبسط حقوقهم.
جذور الأزمة: من المطالب الخدمية إلى واجهة الصراع
لم تكن الأزمة وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات لسنوات من الحرب وسوء الإدارة. يعاني الموظفون الحكوميون في مناطق سيطرة الحوثيين، بما في ذلك العاصمة صنعاء، من انقطاع رواتبهم منذ عام 2016، مما أدى إلى تدهور غير مسبوق في الظروف المعيشية لملايين اليمنيين. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً في وتيرة الاحتجاجات والإضرابات، بقيادة المعلمين وغيرهم من موظفي القطاع العام، للمطالبة بحقوقهم الأساسية. هذه التحركات الشعبية شكلت تحدياً مباشراً لسلطة الجماعة، التي ردت بحملات قمع واعتقالات، لكنها لم تنجح في إخماد جذوة السخط الشعبي المتنامي.
استراتيجية التصعيد الحوثي: أبعادها وتداعياتها الإقليمية
في هذا السياق الداخلي المحتقن، جاء التصعيد العسكري في البحر الأحمر وخليج عدن كطوق نجاة إعلامي وسياسي للجماعة. عبر استهداف السفن التجارية التي تدعي ارتباطها بإسرائيل، والآن بالولايات المتحدة وبريطانيا، يسعى الحوثيون إلى تقديم أنفسهم كمدافعين عن قضايا الأمة، وتحديداً القضية الفلسطينية. هذا الخطاب يهدف إلى حشد الدعم الشعبي خلفهم، وتصوير أي معارضة داخلية على أنها خيانة للقضية الكبرى. لقد نجحت هذه الاستراتيجية جزئياً في صرف الانتباه، حيث أصبحت هجمات البحر الأحمر محور الاهتمام الإقليمي والدولي، وأدت إلى ردود فعل عسكرية من واشنطن ولندن، وهو ما استغلته الجماعة لتعزيز سردية “المظلومية والعدوان الخارجي”.
على الصعيد الدولي، أدت هذه الهجمات إلى اضطراب كبير في حركة الملاحة العالمية، مما دفع كبرى شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وتجنب مضيق باب المندب، الأمر الذي رفع تكاليف التأمين والنقل. كما دفع هذا التصعيد الحوثي إلى تشكيل تحالفات دولية لحماية الملاحة البحرية، مما يزيد من عسكرة المنطقة ويهدد بتوسيع دائرة الصراع. وفي المحصلة، بينما تستخدم جماعة الحوثي التصعيد كورقة للمناورة والهروب من استحقاقاتها الداخلية، فإنها تضع اليمن والمنطقة بأسرها أمام تداعيات خطيرة، وتزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني منذ سنوات.



