العالم العربي

لماذا تريث الحوثيون رغم التصعيد ضد إيران؟ تحليل استراتيجي

يثير الموقف الحالي لجماعة الحوثي (أنصار الله) في اليمن تساؤلات عديدة لدى المراقبين للشأن الإقليمي، خاصة في ظل تصاعد التوترات والتهديدات العسكرية التي تواجهها إيران، الحليف الاستراتيجي للجماعة. فرغم شعارات "وحدة الساحات" التي يرفعها محور المقاومة، يبدو أن هناك حسابات معقدة تدفع الحوثيين إلى نوع من "التريث" أو الهدوء النسبي في جبهات معينة مقارنة بحجم التصعيد ضد طهران.

السياق العام: بين الالتزام الأيديولوجي والحسابات السياسية

تاريخياً، ارتبطت جماعة الحوثي بعلاقات وثيقة مع إيران، حيث يُنظر إليها كجزء أساسي من النفوذ الإيراني في المنطقة. ومع ذلك، فإن المشهد اليمني الداخلي يفرض قيوداً لا يمكن تجاهلها. فبعد سنوات طويلة من الحرب، انخرطت الجماعة في مفاوضات حساسة مع المملكة العربية السعودية بوساطة عُمانية، تهدف إلى تثبيت هدنة طويلة الأمد قد تفضي إلى حل سياسي شامل. هذا المسار الدبلوماسي يجعل أي تصعيد غير محسوب خطراً قد ينسف المكاسب السياسية التي حققتها الجماعة مؤخراً.

أسباب التريث: قراءة في الدوافع

يمكن عزو هذا التريث إلى عدة عوامل استراتيجية:

  • الحفاظ على المكتسبات الداخلية: يسعى الحوثيون لتثبيت حكمهم في صنعاء والمناطق الشمالية، وأي انخراط مباشر وكامل في حرب إقليمية واسعة قد يعرضهم لضربات انتقامية مدمرة من قبل القوى الدولية (مثل الولايات المتحدة وبريطانيا) تتجاوز الضربات المحدودة الحالية، مما قد يهدد سلطتهم.
  • الوضع الاقتصادي والإنساني: يعاني اليمن من أزمة إنسانية هي الأسوأ عالمياً. استمرار الهدنة النسبية يسمح بتدفق المساعدات ودخول الوقود عبر ميناء الحديدة، وهو شريان حياة لا ترغب الجماعة في قطعه حالياً.
  • توزيع الأدوار: قد يكون هذا الهدوء جزءاً من تكتيك "توزيع الأدوار" داخل المحور الإيراني، حيث يتم تفعيل جبهات معينة (مثل لبنان أو العراق) بينما تبقى جبهات أخرى كأوراق ضغط احتياطية يتم استخدامها عند الضرورة القصوى.

التأثيرات المتوقعة إقليمياً ودولياً

إن تريث الحوثيين لا يعني خروجهم من المعادلة، بل يشير إلى نضج في المناورة السياسية. إقليمياً، يرسل هذا الموقف رسائل طمأنة مشروطة لدول الجوار بأن اليمن لن يكون بالضرورة منصة لإشعال المنطقة ما لم يتم تجاوز خطوط حمراء معينة. دولياً، يبقى ملف البحر الأحمر وباب المندب ورقة الضغط الأقوى بيد الحوثيين، والتي قد يتم تفعيلها بشكل أكثر شراسة إذا ما تعرضت إيران لتهديد وجودي مباشر، مما يعني أن الهدوء الحالي هو "هدوء ما قبل العاصفة" المحتملة، وليس انسحاباً من المشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى