
الوقاية في بيئة العمل: حماية للاقتصاد والأرواح بالسعودية
تحول استراتيجي: من رد الفعل إلى الاستباقية في السلامة المهنية
أكد مختصون وقيادات في مجال السلامة والصحة المهنية أن تبني نهج “الوقاية الاستباقية” في بيئات العمل لم يعد مجرد التزام قانوني، بل أصبح ركيزة أساسية للنجاح الاقتصادي واستدامة المؤسسات. وأشاروا إلى أن الوعي بالمخاطر المهنية، سواء كانت فيزيائية، كيميائية، أو نفسية، يمثل خط الدفاع الأول لتجنب الحوادث التي تكبد الاقتصاد خسائر فادحة، مؤكدين أن الاستثمار في الوقاية يوفر أضعاف ما قد يُنفق لاحقًا على معالجة الأضرار وتعويض المصابين.
السياق العالمي والتوجه الوطني نحو بيئة عمل آمنة
تاريخيًا، تطور مفهوم السلامة والصحة المهنية عالميًا من كونه مجرد إجراءات تُتخذ بعد وقوع الحوادث إلى نظام متكامل يهدف إلى منعها من الأساس. وتقود منظمات دولية مثل منظمة العمل الدولية (ILO) هذا التوجه منذ عقود، مشددة على أن العمل اللائق يبدأ ببيئة آمنة. وتماشيًا مع هذا التوجه العالمي، تضع المملكة العربية السعودية، ضمن مستهدفات رؤية 2030، جودة الحياة وتنمية القدرات البشرية في صميم أولوياتها، مما يجعل توفير بيئات عمل آمنة ومحفزة ضرورة وطنية لدعم مسيرة التنمية والتنويع الاقتصادي.
الأثر الاقتصادي للاستثمار في السلامة
أوضح الدكتور محمد بن درويش زمزمي، مستشار الصحة والسلامة المهنية، أن الالتزام بمعايير السلامة يتجاوز حماية الأرواح ليشمل تأثيرًا مباشرًا على الأداء الاقتصادي. فمن خلال تقليل تكاليف العلاج والتعويضات عن إصابات العمل، وتعزيز سمعة المؤسسة، ورفع الروح المعنوية للموظفين، يتحول الإنفاق على السلامة إلى أحد أكثر الاستثمارات جدوى. وأضاف أن توفير الأمان النفسي والجسدي للعاملين يشكلان معًا قاعدة أساسية للإبداع والإنتاجية، وهو ما يستدعي التحول من نهج “ردة الفعل” إلى “الاستباق” عبر تحليل البيانات وتوظيف التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر المحتملة.
المسؤولية المشتركة: ركيزة لاستدامة بيئة العمل الآمنة
من جهته، شدد المهندس ضياء محمد مليباري، المختص في السلامة، على أن ثقافة السلامة المهنية هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الإدارة العليا وتمتد إلى كل فرد في المؤسسة. وأوضح أن نجاح سياسات السلامة يعتمد على تحويلها من مجرد تعليمات إلى سلوك يومي راسخ. وأشار إلى أن التطور التقني يفرض تحديات جديدة كالإجهاد النفسي والاحتراق الوظيفي، مما يتطلب نهجًا شاملًا يوازن بين السلامة الجسدية والنفسية. وأكد أن سلامة العامل ليست خيارًا، بل هي أساس استدامة المؤسسات ونموها.
نموذج رائد: جهود المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني
وفي حديثها لـ”اليوم” بمناسبة اليوم العالمي للسلامة والصحة في مكان العمل، استعرضت ريم عبدالعزيز المقبل، نائب المحافظ للتخطيط وتطوير الأعمال بالمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، جهود المؤسسة كنموذج تطبيقي. وأوضحت أن بيئات التدريب تواجه مخاطر متنوعة، مما استدعى تطبيق إجراءات وقائية صارمة. وكشفت عن إحصاءات تعكس ضخامة الجهود، حيث استهدفت برامج تعزيز الصحة النفسية أكثر من 200,000 متدرب، بينما استفاد أكثر من 204,000 شخص من 580 برنامجًا للوقاية من التدخين والمؤثرات العقلية. كما تم تنفيذ أكثر من 1,400 حملة ومحاضرة توعوية، وتدريب كوادر متخصصة بالتعاون مع الدفاع المدني والهلال الأحمر السعودي لضمان الاستجابة السريعة للطوارئ، مما ساهم في استقرار مستوى الصحة والسلامة المهنية بنسبة 87%.



