
حساب المكاسب لدى الحوثيين يطغى على شعار وحدة الساحات
مقدمة: البراغماتية السياسية في مواجهة الأيديولوجيا
في خضم التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، يبرز موقف جماعة الحوثي في اليمن كأحد أكثر الملفات تعقيداً. فرغم رفع الجماعة لشعار «وحدة الساحات» الذي يتبناه ما يُعرف بـ «محور المقاومة»، تشير التحليلات العميقة للواقع السياسي والميداني إلى أن «حساب المكاسب» السياسية والاقتصادية يطغى بشكل واضح وجلي على هذا الشعار الأيديولوجي، حيث توظف الجماعة الأحداث الإقليمية لخدمة أجندتها الخاصة.
السياق التاريخي: من التمرد المحلي إلى الفاعل الإقليمي
لفهم هذا التحول الاستراتيجي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمة اليمنية. منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في أواخر عام 2014، دخل اليمن في حرب أهلية طاحنة وتدخل عسكري إقليمي. طوال هذه السنوات، سعت الجماعة لترسيخ سلطتها كأمر واقع، مستفيدة من التحالفات الإقليمية لتطوير ترسانتها العسكرية. ومع اندلاع حرب غزة الأخيرة في أكتوبر، وجدت الجماعة فرصة ذهبية لإعادة تقديم نفسها ليس فقط كطرف محلي في نزاع يمني، بل كلاعب إقليمي مؤثر يمتلك القدرة على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
شعار «وحدة الساحات» كغطاء للمكاسب الاستراتيجية
شعار «وحدة الساحات» الذي برز بقوة لربط جبهات غزة، لبنان، اليمن، والعراق، استخدمه الحوثيون كغطاء لتنفيذ هجمات بحرية وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة. ومع ذلك، فإن القراءة المتأنية تكشف أن هذه التحركات محكومة بسقف عالٍ من البراغماتية. فالحوثيون يدركون تماماً خطوط التماس الدولية، ويسعون من خلال تصعيدهم المحسوب إلى تحقيق مكاسب استراتيجية بحتة. إنهم يستخدمون هذه الهجمات كورقة ضغط قوية في مفاوضاتهم المستمرة مع المملكة العربية السعودية والمجتمع الدولي، بهدف انتزاع تنازلات اقتصادية وسياسية، مثل دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتهم، وفتح المطارات والموانئ بشكل كامل، والاعتراف بهم كقوة شرعية حاكمة.
التأثير المحلي: الهروب من الأزمات الداخلية
على الصعيد المحلي، يحقق هذا التوجه مكاسب كبيرة للجماعة. فالتصعيد الخارجي تحت لافتة دعم القضية الفلسطينية -وهي قضية تحظى بإجماع شعبي يمني وعربي- يساعد الحوثيين على الهروب من الاستحقاقات الداخلية. هذا التوجه يخفف من الاحتقان الشعبي الناتج عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ويبرر استمرار حالة التعبئة العامة وجمع الأموال. إلا أن هذا التكتيك يأتي على حساب الشعب اليمني الذي يعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتعطل جهود السلام الأممية وتتفاقم معاناة المدنيين يوماً بعد يوم.
التداعيات الإقليمية والدولية: أوراق ضغط جديدة
إقليمياً ودولياً، أثبتت استراتيجية «حساب المكاسب» الحوثية تأثيرها العميق. فقد أدت الهجمات المتكررة في البحر الأحمر إلى تعطيل حركة التجارة العالمية، مما دفع الولايات المتحدة وبريطانيا لتشكيل تحالفات بحرية وتوجيه ضربات عسكرية لمواقع الحوثيين. ورغم هذه الضربات، تستفيد الجماعة من الظهور بمظهر الند للقوى العظمى، مما يعزز رصيدها الرمزي. ومع ذلك، تحرص الجماعة بحذر شديد على عدم الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تطيح بمكاسبها السياسية والعسكرية التي حققتها على الأرض خلال العقد الماضي.
خلاصة
ختاماً، يمكن القول إن جماعة الحوثي تدير صراعها الحالي بعقلية براغماتية تضع المصالح الذاتية وبقاء السلطة فوق أي اعتبارات أيديولوجية عابرة للحدود. شعار «وحدة الساحات» ليس سوى أداة تكتيكية في خدمة استراتيجية أوسع تهدف إلى تكريس النفوذ الحوثي في اليمن والمنطقة، مما يجعل مسار السلام والاستقرار الإقليمي رهناً بهذه الحسابات المعقدة والمتقلبة.



