محليات

الرعاية الحكيمة والأبحاث السريرية في السعودية ورؤية 2030

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز المنظومة الصحية في المملكة العربية السعودية، أوصت ندوة متخصصة استضافتها جامعة الفيصل بالرياض بضرورة تبني نهج مزدوج يرتكز على توسيع الاستثمار في الأبحاث السريرية وتطبيق نموذج “الرعاية الحكيمة”. وتأتي هذه التوصيات لمواجهة التحديات المتزايدة للأمراض المزمنة، وبناء قطاع صحي مستدام يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 الطموحة.

السياق العام: التحول الصحي في إطار رؤية 2030

تندرج هذه الندوة، التي حملت عنوان «تعزيز الصحة العامة واقتصاديات الصحة في المملكة العربية السعودية»، ضمن سياق أوسع لعملية التحول الشاملة التي يشهدها القطاع الصحي السعودي. فمنذ إطلاق رؤية 2030، وضعت المملكة صحة المواطن على رأس أولوياتها، حيث تهدف إلى رفع متوسط العمر المتوقع وتحسين جودة الخدمات الصحية وكفاءتها. ويعتمد هذا التحول على الانتقال من نموذج تمويل قائم على حجم الخدمة إلى نموذج يركز على القيمة والنتائج الصحية، وهو ما يتماشى مع مفهوم “الرعاية الحكيمة” الذي يهدف إلى تقليل الهدر المالي وتقديم أفضل رعاية ممكنة للمريض.

تحدي الأمراض المزمنة: أرقام تدق ناقوس الخطر

سلطت الندوة، التي شهدت مشاركة نخبة من الخبراء وصناع القرار، الضوء على حجم التحدي الصحي. وكشف الدكتور صالح التميمي، الرئيس التنفيذي للتجمع الصحي الأول بالرياض، عن حقيقة مقلقة تتمثل في أن 73% من الوفيات في المملكة ترتبط حالياً بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والسمنة. وحذر التميمي من أن أعداد المصابين بهذه الأمراض قد تقفز من خمسة ملايين إلى عشرة ملايين مريض بحلول عام 2030، إذا لم يتم تطبيق نموذج الرعاية الصحي السعودي الجديد بفعالية، والذي يرتكز على إنشاء 20 تجمعاً صحياً لخدمة 22 مليون مستفيد.

الأبحاث السريرية: من الاستهلاك إلى الإنتاج المعرفي

من جهته، شدد الدكتور أحمد الجديع، أستاذ الصيدلة الإكلينيكية بجامعة الفيصل، على الأهمية القصوى لتوطين الأبحاث السريرية. وأوضح أن حصة المملكة من التجارب السريرية العالمية لا تتجاوز 0.2%، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بحصتها من سوق الدواء العالمي التي تبلغ 0.7%. هذه الفجوة لا تحرم المملكة من عائدات اقتصادية ضخمة فحسب، بل الأهم من ذلك أنها تؤثر على فعالية العلاجات المقدمة، حيث أن تطوير حلول علاجية تتناسب مع الخصائص الجينية للمجتمع السعودي يعد أمراً حيوياً. وأكد الجديع أن الاستثمار في هذا القطاع يمثل رافداً اقتصادياً ضخماً، قادراً على خلق وظائف نوعية ودعم الصناعات الدوائية المحلية، مستشهداً بتجارب دولية حققت عوائد بمليارات الدولارات.

“الرعاية الحكيمة” والتغيرات الديموغرافية

أشار الدكتور جون ماجي، مدير عام السياسات الصحية والمعرفة، إلى ضرورة إعادة تعريف مفهوم القيمة الطبية تحت مظلة «الرعاية الحكيمة» لبناء مجتمع صحي متكامل. وأكد أن بناء نظام صحي مستدام يعتمد بشكل جذري على جودة البيانات ودقة تحليلها، وبناء نماذج حوكمة أكثر مرونة وشفافية. وفي سياق متصل، حذر الدكتور محمد اللحيدان، من المجلس الصحي السعودي، من التغيرات الديموغرافية القادمة، حيث من المتوقع أن ترتفع نسبة كبار السن في المملكة إلى ما يقارب 20% بحلول عام 2050، مما سيزيد الضغط على المنظومة الصحية والاجتماعية. واختتم الدكتور نايف العتيبي، من جامعة الفيصل، بالتأكيد على أن التكامل بين القطاعين الأكاديمي والصحي وتمكين الكفاءات الشابة هما ركيزتان أساسيتان لتحقيق تطلعات جودة الحياة في المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى