
طريق مكة: حكاية حاجّة إندونيسية وانتظار 70 عاماً
في مدينة ماكاسار الإندونيسية، حيث تنسج الحياة تفاصيلها من بساطة الأرض وكدح الأيادي، عاشت المسنة “جوماريا” سبعة عقود وهي تزرع في مزرعتها الصغيرة شتلات الأرز، وتغرس في قلبها أمنية واحدة لم تذبل رغم مرور السنين: الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج. سبعون عاماً قضتها في صبر وعمل دؤوب، تدخر من عرق جبينها ما استطاعت، ليس لمتاع دنيوي، بل لحلم مقدس ظل بوصلتها الوحيدة.
عاشت جوماريا حياة هادئة، خلت من رفقة الشريك وصخب الأبناء، فكانت وحدتها رفيقتها في رحلة الكفاح الطويلة. وعندما حانت لحظة البشارة بالموافقة على رحلتها الإيمانية، وقفت أمام مشهد الوداع في المطار وحيدة، لا يلوح لها مودع سوى جدران منزلها المتواضع الذي تركته خلفها. بحقيبة صغيرة وصبر عظيم، خطت خطواتها بين حشود المسافرين، تماماً كما اعتادت أن تمضي أيامها وحيدة في مزرعتها.
مبادرة “طريق مكة”: نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن
لم تدم وحدة جوماريا طويلاً، فبمجرد وصولها إلى صالة “مبادرة طريق مكة” في مطار سلطان حسن الدين الدولي، تبدل المشهد تماماً. استُقبلت بحفاوة تليق بضيوف الرحمن، وعناية فائقة احتوت وحدتها. فمبادرة “طريق مكة”، التي أطلقتها وزارة الداخلية السعودية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، أحد برامج رؤية السعودية 2030، هي منظومة متكاملة تهدف إلى تيسير رحلة الحاج منذ لحظة مغادرته بلده.
من خلال هذه المبادرة، يتم إنهاء كافة إجراءات الدخول إلى المملكة من مطار بلد المغادرة، بما في ذلك إصدار التأشيرة الإلكترونية، والتحقق من المتطلبات الصحية، وتسجيل وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة. وبذلك، ينتقل الحجاج عند وصولهم إلى مطاري الملك عبد العزيز الدولي بجدة والأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة مباشرة إلى حافلات مخصصة لنقلهم إلى مقار إقامتهم، بينما تتولى الجهات المختصة إيصال أمتعتهم إليهم.
الأهمية الاستراتيجية والأثر الإنساني للمبادرة
تتجاوز أهمية مبادرة “طريق مكة” مجرد تسهيل الإجراءات، لتعكس التزام المملكة بتقديم أرقى الخدمات للحجاج والمعتمرين. فعلى الصعيد الدولي، تعزز المبادرة العلاقات الثنائية بين المملكة والدول المستفيدة منها، والتي تشمل إندونيسيا، باكستان، ماليزيا، المغرب، بنغلاديش، تركيا، وساحل العاج. كما تبرز القدرات التنظيمية والتقنية المتقدمة التي تسخرها المملكة لإدارة مواسم الحج بكفاءة عالية.
أما على الصعيد الإنساني، فإن أثرها يظهر جلياً في قصص مثل قصة “جوماريا”. فبالنسبة لكبار السن والمرضى، تختصر هذه الخدمة ساعات طويلة من الانتظار والإرهاق، وتحول رحلتهم الشاقة إلى تجربة مريحة ومطمئنة. لقد غادرت جوماريا وطنها وهي لا تحمل في حقيبتها تذكرة سفر فحسب، بل سبعين عاماً من الصبر والأمل، لتجد في استقبالها خدمة إنسانية راقية بددت وحشة الطريق ومنحتها شعوراً بالأمان لم تعهده منذ سنوات، لتبدأ رحلتها إلى مكة المكرمة بقلب مطمئن وروح تملؤها السكينة.


