
أمريكا وأوروبا: اتفاق لتأمين المعادن الحيوية لسلاسل الإمداد
في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة الموارد العالمية، وقّع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية مذكرة تفاهم لتعزيز التنسيق بشأن إمدادات المعادن الحيوية. هذه المعادن، التي تشمل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، تعد عصب الصناعات الحديثة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر، حيث تدخل في كل شيء بدءًا من بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وصولًا إلى أشباه الموصلات والمعدات العسكرية المتقدمة.
وقع الاتفاقية كل من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، ومفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش، مؤكدين على الأهمية القصوى لهذه الشراكة في ضمان استقرار سلاسل التوريد لكلا الجانبين.
السياق العام: سباق عالمي على الموارد
يأتي هذا التحالف في وقت يتصاعد فيه التنافس الجيوسياسي على الموارد الطبيعية. لعقود طويلة، هيمنت الصين بشكل كبير على سوق المعادن الحيوية، ليس فقط في مرحلة الاستخراج، بل والأهم من ذلك، في مراحل المعالجة والتكرير التي تتطلب تقنيات معقدة. وتشير التقديرات إلى أن الصين تسيطر على ما يزيد عن 60% من الإنتاج العالمي لبعض العناصر الأرضية النادرة وأكثر من 80% من قدرات معالجتها. هذا الاعتماد شبه الكامل على مصدر واحد أثار قلق العواصم الغربية، خاصة بعد أن أظهرت جائحة كوفيد-19 والتوترات الجيوسياسية الأخيرة مدى هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وقد صرح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عقب التوقيع: «إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يُعدّان أكبر مستهلكين ومستخدمين للمعادن الحيوية». وأكد على ضرورة ضمان توافر هذه الإمدادات الحيوية بما يمنع احتكارها أو تركيزها في دولة أو جهة واحدة، في إشارة واضحة إلى المخاوف من استخدام هذه الموارد كورقة ضغط سياسي.
أهمية الاتفاق وتأثيره المتوقع
يهدف الاتفاق إلى بناء شراكة عبر المحيط الأطلسي تغطي سلسلة القيمة بأكملها، بدءًا من الاستكشاف والاستخراج، مرورًا بالمعالجة والتكرير، وانتهاءً بإعادة التدوير والاسترجاع، وهو ما يمثل نهجًا شاملًا للاقتصاد الدائري. من جانبه، أوضح مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش أن التجارب الأخيرة أظهرت التكلفة الباهظة للاعتماد على جهات محددة، مؤكدًا أن الهدف هو بناء قاعدة أوسع وأكثر تنوعًا من الموردين الموثوقين.
على المستوى الدولي، يمثل هذا الاتفاق نواة لتشكيل “نادي للمشترين” أو “تحالف للمعادن الحيوية” يضم الدول ذات التفكير المماثل، بهدف وضع معايير عالمية جديدة تتعلق بالشفافية والاستدامة البيئية وحقوق العمال في قطاع التعدين. أما على المستوى الإقليمي، فيُتوقع أن يحفز الاتفاق الاستثمارات في مشاريع التعدين والتكرير داخل الولايات المتحدة وأوروبا، مما يساهم في خلق وظائف جديدة وتعزيز الأمن الصناعي والاقتصادي لكلا الكتلتين. كما تنص مذكرة التفاهم على بحث إمكانية تحديد حد أدنى لأسعار المعادن الحيوية، وذلك لمكافحة ممارسات الإغراق التي قد تضر بالمنتجين في الأسواق الغربية.



