
الكتابة على الجدران: التكاليف الخفية لتشويه المشهد الحضري
تتنامى ظاهرة الكتابة على الجدران بشكل عشوائي لتتحول من مجرد خربشات متفرقة إلى تحدٍ كبير يواجه المشهد الحضري في مدننا، حيث حذر مواطنون من هذا التلوث البصري الذي لا يقتصر أثره على تشويه المنظر الجمالي، بل يمتد ليستنزف ميزانيات البلديات ويؤثر سلباً على جودة الحياة. وأكدوا أن الحل يكمن في تضافر الجهود بين الوعي المجتمعي، وتوفير بدائل حضارية للشباب، وتطبيق الأنظمة بحزم لردع المخالفين.
جذور الظاهرة: بين التعبير الفني والتعدي على الممتلكات
تاريخياً، عرف الإنسان الكتابة على الجدران منذ العصور القديمة كوسيلة للتعبير، لكنها تطورت في العصر الحديث لتأخذ أشكالاً مختلفة. ففي حين برز “فن الشارع” أو “الجرافيتي” كشكل فني إبداعي يزين المدن في أنحاء العالم، إلا أن ما تنتشر في أحيائنا اليوم هي في الغالب كتابات عشوائية وأعمال تخريبية تفتقر لأي قيمة فنية. هذه الممارسات، التي تنتشر في محيط المدارس والحدائق العامة وعلى أسوار المنازل والمرافق الخدمية، تضعف جهود تحسين المشهد الحضري وتترك انطباعاً سلبياً لدى السكان والزوار على حد سواء.
وفي هذا السياق، أوضح المواطن عبدالعزيز التركي أن الكتابة على الجدران بشكلها العشوائي تُفقد المدن هويتها الجمالية، وتشوه المرافق التي أُنشئت لخدمة المجتمع. وأضاف أن هذه الممارسات التخريبية، التي غالباً ما تكون غير منظمة وتحمل عبارات أو رسومات غير لائقة، تضاعف من أثرها السلبي على المشهد العام، وتُضعف جهود أمانات المناطق المتواصلة في الارتقاء بجودة الحياة والمحافظة على الممتلكات والمكتسبات الوطنية.
أبعاد سلبية تتجاوز تشويه المشهد الحضري
لا تتوقف الآثار السلبية عند حدود التلوث البصري، بل تمتد لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية عميقة. فمن الناحية الاقتصادية، أكد المواطن مبارك الحسين أن إزالة هذه الكتابات ليست عملية سهلة كما يتصور البعض، بل تتطلب تدخلاً فنياً وهندسياً ومواد كيميائية خاصة، مما يستهلك وقتاً وجهداً وموارد مالية ضخمة. هذه التكاليف الباهظة والمتكررة تشكل عبئاً على الميزانيات التشغيلية للجهات المعنية، وكان من الممكن توجيهها إلى مشاريع خدمية وتنموية أخرى تعود بالنفع على المجتمع.
اجتماعياً، يرى المواطن صالح الدريويش أن هذه الظاهرة تعكس ضعف الوعي المجتمعي لدى البعض، خصوصاً فئة الشباب والمراهقين الذين ينجرفون خلف تقليد الآخرين دون إدراك للعواقب. وطالب الدريويش بضرورة الحزم في تطبيق الأنظمة وتفعيل لائحة الجزاءات البلدية لردع المخالفين، مشدداً على أهمية تعزيز دور الأسرة والمدرسة في ترسيخ قيم احترام الممتلكات العامة.
حلول متكاملة لمواجهة ظاهرة الكتابة على الجدران
تتطلب مواجهة هذه الظاهرة حلولاً مبتكرة تتجاوز مجرد الإزالة والعقاب. اقترح المواطن نواف السويلم توفير بدائل حضارية ومدروسة لاحتواء طاقات الشباب وتوجيهها بشكل إيجابي. وأشار إلى أن تخصيص مساحات فنية وجداريات منظمة تحت إشراف الجهات المختصة يمكن أن يسهم في تحويل هذه الطاقة إلى إبداع يخدم المجتمع، ويبرز المواهب الشابة، مع الحفاظ على جمالية المدن. وأضاف أن تحويل جدران المدارس والمرافق التعليمية إلى مساحة للعبارات غير اللائقة يشوه البيئة التعليمية ويؤثر سلباً على الحالة النفسية للطلاب، مما يستدعي تحركاً عاجلاً.
الإطار القانوني والعقوبات الرادعة
على الصعيد القانوني، أفادت المحامية مريم محمد بأن الكتابة العشوائية تعد مخالفة صريحة للذوق العام بحسب الأنظمة المعتمدة. وأوضحت أن المادة الخامسة من لائحة الذوق العام تمنع الكتابة أو الرسم على جدران الأماكن العامة ما لم يكن مرخصاً من الجهة المعنية. وحول العقوبات، بينت أن المادة الثامنة من اللائحة تفرض غرامة مالية تصل إلى 5000 ريال على المخالفين، مع مضاعفة الغرامة في حال تكرار المخالفة خلال عام واحد. وشددت على ضرورة تغليظ العقوبة لتتجاوز عشرة آلاف ريال لتحقيق الردع الفعال، وملاحقة الفاعلين وإحالتهم للجهات المختصة تمهيداً لمحاسبتهم.



